آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » 19 حزيران (يونيو): بداية الشرق الأوسط الجديد

19 حزيران (يونيو): بداية الشرق الأوسط الجديد

 

 

بقلم:د. سلمان ريا

 

في العلاقات الدولية، هناك تواريخ تمر كأحداث عابرة، وهناك تواريخ تتحول إلى علامات فاصلة بين مرحلتين تاريخيتين. وإذا تم التوقيع على الاتفاق المعلن بين الولايات المتحدة وإيران في التاسع عشر من يونيو، فإن أهمية هذا التاريخ لن تنبع من مراسم التوقيع نفسها، بل من كونه قد يمثل لحظة انتقال من حقبة إقليمية استمرت لعقود إلى حقبة جديدة لم تتضح معالمها كاملة بعد.

 

على امتداد أكثر من أربعة عقود، كان الشرق الأوسط يدور حول معادلة مركزية قوامها التوتر المستمر بين واشنطن وطهران. ومن هذه المعادلة تشكلت التحالفات، وتفرعت الأزمات، واندلعت الحروب المباشرة وغير المباشرة، وتحددت أولويات الأمن والسياسة والاقتصاد في معظم أنحاء المنطقة. ولهذا فإن أي اتفاق بين الطرفين لا يمكن قراءته بوصفه تسوية ثنائية فحسب، لأن تداعياته المحتملة تمتد إلى مجمل البنية الاستراتيجية التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية القرن العشرين.

 

التاريخ يعلمنا أن النظم الإقليمية لا تتغير عادة بفعل انتصار طرف على آخر، بل عندما تصل القوى المتنافسة إلى قناعة مشتركة بأن كلفة الصراع أصبحت أعلى من مكاسبه. وعندما يحدث ذلك، تبدأ عملية إعادة ترتيب المصالح والنفوذ، وتتراجع تدريجيًا الأدوات التي كانت تحكم المرحلة السابقة.

 

من هذا المنطلق، قد يكون التاسع عشر من يونيو أكثر من مجرد موعد لتوقيع اتفاق. قد يكون بداية اختبار تاريخي لسؤال أكبر: هل يتجه الشرق الأوسط إلى الخروج من عصر إدارة الأزمات والدخول في عصر إدارة المصالح؟

 

اللافت أن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في البعد السياسي أو الأمني، بل في ما يحمله من انعكاسات على أحد أكثر الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي: الخليج العربي ومضيق هرمز. فالعالم لا ينظر إلى هذه المنطقة باعتبارها مجرد مساحة جغرافية، بل باعتبارها نقطة التقاء الأمن بالطاقة والتجارة الدولية. وأي تهديد للملاحة فيها لا يبقى محصورًا داخل حدود الإقليم، بل يمتد أثره إلى أسعار النفط، وسلاسل التوريد، وتكاليف النقل والتأمين، ومعدلات التضخّم، وأسواق المال في مختلف القارات.

 

لهذا السبب، فإن استقرار الخليج لا يمثل مصلحة إقليمية فحسب، بل مصلحة عالمية. وإذا نجح الاتفاق في ترسيخ بيئة أكثر هدوءًا، فإن ذلك يعني عمليًا تعزيز أمن الطاقة العالمي، وتخفيف الضغوط على الاقتصاد الدولي، وإعادة قدر من اليقين إلى الأسواق التي عاشت سنوات طويلة تحت وطأة الأزمات المتلاحقة.

 

لكن التحوّل الأعمق قد لا يكون في النفط أو التجارة، بل في طبيعة النفوذ نفسه. فالشرق الأوسط يقف اليوم عند عتبة انتقال تاريخي من مرحلة كانت القوة العسكرية فيها هي العامل الحاسم في تحديد المكانة الإقليمية، إلى مرحلة تتزايد فيها أهمية الاقتصاد، والموانئ، والممرات التجارية، وشبكات الطاقة، والاستثمار، والقدرة على الربط بين القارات والأسواق.

 

في العقود الماضية، كانت خرائط النفوذ تُرسم غالبًا على خطوط التماس والجبهات العسكرية. أما في العقود المقبلة، فقد تُرسم على مسارات السفن والسكك الحديدية وخطوط الطاقة ومراكز التمويل والاستثمار. وهذا تحول لا يقل أهمية عن أي تغير سياسي أو أمني.

 

لذلك فإن الحديث عن إعادة رسم الحدود قد يكون مبالغًا فيه، أما الحديث عن إعادة رسم خرائط النفوذ فهو أكثر واقعية. فالدول التي نجحت في بناء أدوات اقتصادية ولوجستية ودبلوماسية فعالة قد تجد نفسها في قلب المشهد الجديد، بينما ستواجه القوى التي بنت حضورها على بيئات الصراع المزمن تحديات مختلفة في التكيف مع واقع أكثر استقرارًا.

 

وإذا كان القرن الماضي قد شهد صراعًا على الأراضي والموارد، فإن العقود القادمة قد تشهد تنافسًا على الربط بين القارات والتحكم في الممرات التجارية والطاقة والتكنولوجيا. وفي مثل هذا العالم تصبح القدرة على بناء الشراكات أكثر قيمة من القدرة على إدارة الحروب، ويصبح الاستقرار أصلًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن القوة العسكرية.

 

لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي سيبدأ في التاسع عشر من يونيو ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة وإيران ستوقعان اتفاقًا، بل ما إذا كانت المنطقة بأسرها ستنجح في استثمار هذه اللحظة للانتقال إلى نموذج جديد من العلاقات الإقليمية. فإذا صمد الاتفاق وتحول إلى واقع مستدام، فقد يكتشف المؤرخون بعد سنوات أن ذلك التاريخ لم يكن مجرد موعد لتوقيع وثيقة سياسية، بل كان بداية مرحلة أعيد فيها تعريف النفوذ والقوة والاستقرار في الشرق الأوسط، وأُعيد فتح أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي أمام مرحلة طويلة من اليقين بعد عقود من القلق والاضطراب.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

طرطوس وأرواد: استعادة الوصل وانطلاق الساحل نحو مستقبله

محمد نزال   ثمة لحظات تتجاوز رمزيتها حدود المناسبة، لتغدو إعلانا عن مرحلة بأكملها. زيارة رئيس الجمهورية إلى جزيرة أرواد، وهي الأولى من نوعها لرئيس سوري، ...