آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » القطاع السياحي اللبناني: بهلوانيات لاجتذاب المغتربين

القطاع السياحي اللبناني: بهلوانيات لاجتذاب المغتربين

 

لور شدراوي

 

 

ينمو، منذ الإفلاس في لبنان، نموذج اقتصادي جديد يقوم على السياحة من دون سيّاح، خاصة في قطاع المأكولات والمشروبات، مرتكزاً على بيروت تحديداً، بل على جزء منها. البلد الذي يصرّ ألّا ينتج شيئاً، قرّر استقطاب الدولارات عبر جذب أبناء البلد أنفسهم، ولا سيما المغتربين حديثاً، في محاولة لإعادة إنتاج النموذج الاقتصادي ذاته الذي سبق الإفلاس والذي أدّى إليه.

 

العملية ليست بسيطة، بل تتطلب الكثير من الخلق والإبداع والحيل التسويقية وإجراء عمليات تجميل و«مايك أوفر» دورية. ففي النهاية، السائح المستهدف هو ابن البلد، وقد حفظه عن ظهر قلب. هنا، تتجلى البراعة، أحد أبرز وجوه العبقرية اللبنانية التي لا تمل من صناعة الوهم وإعادة تدويره عبر اجتراح أشكال متعددة من الحيل، «بونزي» تلو الآخر، هذه المرة على شكل سياحة ومطاعم و«عجقة ناس».

 

السائح الأجنبي يبحث عادة عن كل ما هو قديم وتاريخي أو أصيل. يزور القلاع والآثار والأحياء القديمة، ويبحث عن المطاعم التي يرتادها أبناء البلد، محاولاً تجنب المطاعم السياحية التي غالباً ما تكون مصيدة للسائح، حيث الطعام ذو جودة أقل وأسعار أعلى. وعلى عكس السائح الأجنبي، فالمغترب (الحديث الاغتراب خاصة، وهو المقصود في هذه العملية بما أنّه لا يزال زائراً موسمياً) هو ابن البلد، يعرف هذه القلاع والمطاعم والمقاهي، فكيف السبيل لاستقطاب دولاراته، المورد الجديد لاقتصاد الوهم؟

 

نجعل البلد يبدو جديداً ومختلفاً عند كل زيارة. لدينا ثلاثة إلى أربعة أشهر بين موسم سياحي وآخر، نقوم خلالها بتغيير الديكور له: عملية remake موسمية وكأنما نضيف بعض الفيلير والبوتوكس، فلا يشعر هذا المغترب بالملل أبداً. يعود ليجد أماكن جديدة للسهر، ومقاهي لم يسمع بها، ومطاعم لم يزرها من قبل. وقد تكفّل الإنستغرام بتسويقها له قبل الأعياد حتى باتت الحجوزات فيها مستحيلة لشدة الإقبال.

 

بعض المطاعم أتقنت اللعبة، وصارت تتفنن في استقطاب المغتربين. هناك مطعم يأتيك بقالب جبنة البارميزان (من وزن الـ30 كيلو) يجره عاملان على عربة، ثم يسكب أحدهما قنينة رام في وسطه ويشعل فيه النار، فيذوب بعضه ثم يضع لك بعضاً من الجبنة السائحة في صحنك، ليعود ويدور بالعربة على طاولة أخرى. مطعم آخر أتى بعظمة نخاع bone marrow وراح يحاول إذابتها أمامنا بشعلة من قداحة. ذابت أعصابي وأصابع النادل قبل أن تنزل منها قطرة واحدة على قطعة سوشي بعد أكثر من دقيقتين من الانتظار البطيء، كلّها ضرورات الإنستغرام، أداة مركزية في صناعة الوهم.

 

«سياحة المغترب» هي إصرار على ألا ننتج أي شيء. حيث يتفنن اللبنانيون في صناعة الوهم، ويجيدون القيام بعملية بصرية بحتة تعيد إنتاج النموذج القديم بأساليب جديدة

 

 

تلقّى قطاع المأكولات والمشروبات ضربة قاسية بعد الأزمة الاقتصادية، وخاصة بعد انفجار مرفأ بيروت، وأُقفلت مئات المحال. لكن بحسب نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي، شهد لبنان فتح 500 مطعم جديد بين عامي 2022 و2023. كما أشارت دراسة لشركة «هوديما» للخدمات الاستشارية، نشرت عام 2024، إلى أن الأحياء ذات الاكتظاظ في عدد المطاعم والحانات والبارات في بيروت، شهدت ارتفاعاً ملحوظاً منذ الانهيار وصل إلى 34.5% في وسط بيروت، ولامس مستويات ما قبل الأزمة في بعض الأحياء. لا تحديث لهذه الدراسات، لكن يمكن ملاحظة أن المطاعم والحانات كانت تنمو كالفطر في العام الماضي أيضاً، حتى يُخيّل إليك أنك في بلد يشهد نمواً وازدهاراً اقتصادياً ولست في بلد يواجه الإفلاس (أو بالأحرى يرفض مواجهته). لكن في الواقع، الأمر لا يعدو أكثر من خدعة بصرية.

 

يشعر المغترب بتغير «التراند» في مراكز اللهو والسهر، بسبب انتعاش أحياء جديدة في كل مرة، من بدارو إلى الجميزة، ثم مار مخايل، بعدها انتعشت الصيفي والداون تاون والواجهة البحرية. سمعت أنهم يتحضرون لإعادة إحياء شارع أوروغواي. هكذا يأتي المغترب في العيد القادم ليجد البلد في حلّة جديدة وعليه مواكبته.

 

هي عملية بصرية بحتة تعيد إنتاج النموذج القديم بأساليب جديدة وتبقي الوهم قائماً. قبل الأزمة الاقتصادية، بينما كانت الودائع تتدفق إلى لبنان، والبلد يحتفي بأن الليرة بألف خير، ويتلقى رياض سلامة الجوائز العالمية، كانت أمهاتنا وآباؤنا يفاخرون بعدد أبنائهم الذين «توفّقوا» بوظائف في الخارج برواتب عالية. جيل يفخر بتصدير شبابه ويتساءل عن سبب تراجع اقتصاده وانهياره.

 

تمجيد الاغتراب محفور في الثقافة اللبنانية منذ أواخر القرن التاسع عشر. كانت عودة مغترب من أميركا اللاتينية مناسبة تستمر أياماً، تفتح خلالها العائلة الدار للعموم لاستقبال ابنها العائد. اليوم تستقبل المغترب لافتات ضخمة عند مدخل مطار بيروت باسم من بقي من أبناء البلد تقول له «أهلا بهالطلة». تكاد تسمع معها الزغاريد وقرع الطبول. وتودِّعك «ما بينشبع منكن ما تطولوا علينا»، مكتوبة بأحرف لا يفكّها إلا اللبناني. أقترح للموسم القادم أن نرفع شعار: «هيك بتعلقونا فيكم وبتفلوا؟».

 

بدعة «سياحة المغترب» هي إصرار على ألا ننتج أي شيء. عند انكشاف الإفلاس في عام 2019، ضجت المنابر الإعلامية والخطابية بزعماء الأحزاب وأزلامهم في توصيف أصل الأزمة، عندما اكتشفوا جميعهم يومها أهمية الاقتصاد المنتج. لم تدم هذه الصحوة طويلاً. ماذا حلَّ بمروّجي نظرية «قوة لبنان في ضعفه»؟ هؤلاء لا بدَّ يجدون الوطن اليوم في أقصى قوته إذن.

 

في فيلم «ذا ترومان شو» يكتشف جيم كاري في النهاية، ورغم كل المؤثرات البصرية والسمعية، بأنه ضحية عملية خداع معقّدة، وبأنه يعيش وهماً لا بل أن حياته كلها لم تكن سوى عملية خداع وكذب. رغم قساوة الاكتشاف، ورغم أن الاستمرار في الإنكار قد يبدو أقل ضرراً من الاعتراف بالواقع، يختار الحقيقة على قساوتها بدل الوهم على ألفته. عندما نرفض ما يعرض علينا سنكتشف أن الحائط الفولاذي الماثل بيننا وبين الوطن الذي نحلم به لا يعدو أكثر من ديكور من كرتون.

 

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تحديثات 2026: أوروبا ترفع الرسوم والضرائب السياحية لتجربة سفر أكثر تنظيمًا

أصبح السفر إلى أوروبا في عام 2026 أكثر تكلفة، مع دخول سلسلة من الضرائب والرسوم السياحية الجديدة حيز التنفيذ، لتشمل تكاليف دخول المدن والمعالم الشهيرة، ...