سمر حمامة
عند السابعة من صباح كل يوم في إسطنبول، تستعد مريم البغدادي لبدء يومها كغيره من الأيام التي تعيشها منذ سنوات، تفتح نافذة منزلها المطل على الشارع، بينما يهرب خيالها إلى سماء دمشق، وتروي لحظتها بالقول: “أستيقظ كل صباح على صوت أذان مختلف، ورائحة قهوة مختلفة، وحياة لا تشبه تلك التي تركتها خلفي”.
مريم التي غادرت سوريا في السابعة عشرة من عمرها، تعيش اليوم في تركيا وتحاول التوفيق بين عالمين، الأول تحمله في ذاكرتها وحنينها، والثاني تعيشه بواقعها اليومي. “لحظة الرحيل لا تغادر ذاكرتي أبداً”، تروي لـ “الثورة السورية” أن حياتها في بلد اللجوء كانت صعبة في البداية نتيجة اختلاف اللغة والبيئة الاجتماعية، الأمر الذي جعلها تشعر بفقدان جزء من كيانها، وتعيش اليوم “حالة مزدوجة بين عالمين، أحاول بكل الطرق التوفيق بينهما دون أن أشعر بانتماء كامل لأي منهما”.
بين الغربة والعودة
تقدم مريم البغدادي ذات 24عاماً نموذجاً لآلاف الشباب السوري الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على بناء حياة جديدة في بلاد لا تشبه بلادهم، وتوضح لـ”الثورة السورية” بأن حياتها في تركيا “أصبحت مستقرة نوعاً ما، تعلمت اللغة، والتحقت بالجامعة، وكونت صداقات”، ولكن السؤال الذي يلازمها دائماً، “أين بيتي الحقيقي؟”، بينما تعترف مريم أنها تعيش “حالة من التشتت الوجداني”، فالغربة منحتها فرصاً لكنها سلبتها شيئاً أثمن، وتقول: “أفتقد دفء العائلة الكبيرة، وطقوس الأعياد في دمشق، ورائحة الياسمين التي كانت تملأ شرفة منزلنا”.
أما علي البلخي، العائد حديثاً من ألمانيا إلى سوريا، فيحمل تجربة مختلفة لكنها تحمل التناقض ذاته، يروي لـ “الثورة السورية” أن تجربته في اللجوء كانت “رحلة طويلة من المحاولات للتعايش مع واقعين مختلفين”. ويقول: “السنوات التي قضيتها في ألمانيا منحتني شعوراً بالأمان والاستقرار، وفتحت أمامي آفاقاً واسعة من العلم والعمل.
وعلى الرغم من كل ذلك، بقيت سوريا الأم حاضرة في وجدان البلخي، ويوضح أن قرار العودة لم يكن سهلاً، معترفاً بأن “الحنين إلى المكان الذي ولدت وترعرعت فيه كان الدافع الخفي للعودة”. ولكن سرعان ما تبين له بأن الحياة في سوريا بعد الغربة تختلف كثيراً عمّا توقع، من مشاعر متناقضة بين الفرح بالرجوع إلى الوطن والقلق من صعوبة البدايات، وعلى الرغم من أن “الحياة هنا أكثر قرباً إلى الروح، لكنها تفتقر للكثير من الخدمات والاستقرار الذي اعتدت عليه هناك”. ويؤكد أن “الحياة في ألمانيا ستبقى جزءاً من ذاكرتي، لكنها لن تكون بديلاً عن انتمائي الأساسي”.
تقدم دينا الرفاعي، المقيمة في كندا منذ سنوات، زاوية أخرى من هذه المعادلة الصعبة، وتصف في حديثها لـ”الثورة السورية” الحياة في المغترب بأنها “مزيج من الاكتساب والفقد”، ولا تنكر أن الغربة قدمت لها فرصاً تعليمية ومهارات جديدة، لكنها في الوقت ذاته عمقت “شعوري بالحنين إلى دفء البيت السوري”، وتوضح أنها تعيش حالة من “الانقسام الداخلي” كلما فكرت في مستقبلها، فأحياناً “أشعر أنني لن أنتمي بشكل كامل إلى أي مكان، وسأظل دائماً تلك الفتاة التي تحمل وطنها في ذاكرتها أينما ذهبت”.
حنين مختلف
تقدم منال معروف، التي وصلت إلى ألمانيا في الأربعين من عمرها، نموذجاً مختلفاً للتجربة، وخلال حديثها لـ “الثورة السورية” توضح أنها لم تستطع التأقلم مع الوضع الجديد، من حيث ” اللغة المختلفة، وكذلك العادات والتقاليد. الحياة الاجتماعية كما عرفناها في سوريا تكاد تكون غائبة تماماً هنا”.
ولم تخفِ المعروف مشاعرها، فما زالت تحن إلى جذورها الأصلية وتكشف عن حرصها الشديد على “زيارة سورية كلما سنحت لي الفرصة، برفقة أولادي، لأبقيهم مرتبطين وملتزمين بعادات وتقاليد هذا البلد، ولترسيخ محبة الوطن في قلوبهم”. وتضيف: “بلاد الغربة لا تغنيهم عن وطنهم، فالإنسان مهما طال به الوقت في المغترب، لا بد له أن يعود إلى جذوره الأصلية”.
لكن شام ابنة منال معروف، والتي هاجرت معها في السابعة من عمرها، تحمل رؤية مختلفة، وتوضح لـ “الثورة السورية”: بأنها تحب سوريا وأهلها كثيراً، و”أشعر بالفخر بجذوري، ولكن أصدقائي وجامعتي في ألمانيا، لذا أرغب بالبقاء هناك”، فهذا التباين بين جيلين في العائلة نفسها يعكس التناقض العميق الذي يعيشه اللاجئون السوريون، فالآباء يتشبثون بالعودة إلى البلد الأم، بينما الأبناء الذين نشؤوا في بلاد اللجوء يجدون صعوبة في تصور مستقبلهم خارج المحيط الذي تربوا فيه.
صراع القيم والانتماءات
تضع الخبيرة الاجتماعية غفران عوض يدها على جوهر المشكلة، وتقول في حديثها لـ”الثورة السورية” إن ما يعيشه معظم الشباب السوري في المغترب “يمكن وصفه بحالة تعدد هويات”، وهذه الحالة “ناتجة عن الانتقال من بيئة تقليدية إلى بيئة أخرى مختلفة تماماً، الأمر الذي يخلق صراعاً داخلياً لدى الشباب بين القيم الموروثة ومتطلبات المجتمع الجديد”.
وفي سياق متصل، تحذر الخبيرة الاجتماعية هلالة درويش من التداعيات النفسية لهذا الانقسام. وتؤكد لـ”الثورة السورية” أن الشعور بعدم الاستقرار والانقسام بين مجتمعين مختلفين قد يوّلد ضغوطاً نفسية لدى الشباب والمراهقين، تؤثر على التكيف العاطفي”.
وترى درويش أنه “لا بدّ من توفير دعم نفسي واجتماعي يساعد الشباب على بناء هوية متوازنة تضمن الاندماج بين الوطن الأم وبلد اللجوء من دون الذوبان الكامل أو الانعزال”.
وتتفق الدراسات الأكاديمية الحديثة مع هذه التحليلات، حيث يشير بحث صدر عن جامعة “خرونينغن” الهولندية في كانون الأول 2025، إلى أن اللاجئين السوريين يعيشون حالة من “التأرجح بين الانتماء القانوني والاستبعاد الثقافي”، وأن الأجيال الشابة تجد مساراتها عبر التعليم والحراك الاجتماعي، بينما يواجه كبار السن عوائق هيكلية وفقدان الأدوار المهنية، ومع ذلك يواصلون تنمية شعور مزدوج بالانتماء إلى كلّ من هولندا وسوريا.
كما كشفت دراسة أخرى عن تجارب الطلاب السوريين في الجامعات التركية أنهم طوروا هويات ثقافية متعددة، مع هيمنة الهوية العرقية، نتيجة عوامل عدة منها العزلة الأكاديمية والاجتماعية، والتمييز المدرك، والخضوع اللغوي، وإخفاء الهوية.
بالرغم من كلّ هذه التحديات، أثبت الشباب السوري قدرته على إثبات نفسه، فلم يكتفِ بالتكيف مع محيطه الجديد، بل أصبح أكثر انفتاحاً على التنوع الثقافي، محققاً تفوقاً علمياً ملحوظاً في بلدان الاغتراب، كما يحاول هذا الجيل الجديد بناء هوية خاصة به، تستمد قوتها من تعدد الانتماءات، وتوازن بين وطن رحل عنه ويعمل على استعادته تدريجياً، ووطن بديل منحه الأمان والاستقرار.
يبقى التحدي الأكبر ألا تكون الغربة قطيعة عن الوطن، بل جسراً يعبّر عليه الشباب حاملين معهم تجاربهم وحنينهم، للمشاركة في إعادة ترميم ما كسرته سنوات اللجوء، فالعودة إلى سوريا، وإن تأخرت، تبقى حلماً يراود الملايين، لكن الواقع على الأرض أكثر تعقيداً، فالبنية التحتية مدمرة، والخدمات شبه غائبة، والفرص الاقتصادية محدودة.
اليوم، مع عودة مئات الآلاف من السوريين إلى وطنهم بعد التحرير، تبدأ رحلة جديدة من التساؤلات حول هوية الجيل الذي نشأ وترعرع في بلاد الغربة، وهل سينجح هؤلاء الشباب في بناء جسور بين عوالمهم المختلفة؟
هل سيكونون قادرين على استثمار خبراتهم المكتسبة في الخارج لخدمة بلدهم؟ وهل ستتمكن سوريا الجديدة من احتضان أبنائها العائدين ومنحهم الشعور بالأمان والاستقرار الذي يبحثون عنه؟ وتبقى الإجابات معلقة، مثل هويات هؤلاء الشباب، بين حنين الماضي واستقرار الحاضر، وطموح المستقبل الذي يحلمونه.
أخبار سوريا الوطن١-الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
