محمد راكان مصطفى
يرى الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماه أنه وفي خضم التحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد السوري، تأتي قراءة صندوق النقد الدولي لواقع الحال لتحمل في طياتها بشائر التعافي ورهانات المستقبل.
واعتبر أستاذ الاقتصاد في حديثه لـ”الوطن” أن البيان الصادر عن الصندوق مؤخراً، بعد زيارة فريق الخبراء إلى دمشق، يرسم صورة متفائلة حذرة لاقتصاد بدأ يلمس طريق العودة إلى دائرة الضوء الإقليمية والدولية، فبين مؤشرات تحسن النشاط الاقتصادي، واستقرار نقدي غير مسبوق، وفائض في الموازنة العامة، يبرز تحدٍ جوهري يتمثل في هاجس الديون الخارجية المتراكمة وكيفية إدارتها.
ولفت محمد إلى أن هذا الواقع الجديد يضع سوريا أمام مفترق طرق حاسم، حيث تلتقي الحاجة إلى الخبرة الفنية مع تعقيدات إعادة الاندماج المالي العالمي، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول الدور الذي يمكن أن يلعبه صندوق النقد الدولي في هذه المرحلة: هل هو مجرد مهندس فني للإصلاحات، أم شريك استراتيجي في صياغة مستقبل العلاقات المالية لسوريا مع العالم؟
ويرى محمد أنه من الناحية الواقعية، لا يمكن اعتبار برنامج المساعدة الفنية بحد ذاته “صك غفران مالي” مباشراً، لكنه يشكل حجر الأساس والشرط الفني الأهم لأي عملية إعادة جدولة مستقبلية، فالديون السيادية السورية قضية معقدة تتشابك فيها الأبعاد القانونية مع السياسية، وإن “غفران” الديون أو إعادة جدولتها لا يتم بمجرد التعاون التقني، بل هو قرار سياسي بامتياز يتخذ من قبل دائني نادي باريس والدائنين الآخرين.
مضيفاً: لكن قيمة المساعدة الفنية لصندوق النقد الدولي تكمن في قدرتها على خلق بيئة الثقة والمصداقية المطلوبة لهذا القرار السياسي، فهي تساعد في توثيق الوضع المالي وإنتاج إحصاءات دقيقة وشفافة حول حجم الدين والقدرة على السداد، وبناء المؤسسات عبر إنشاء إطار مؤسسي قادر على إدارة الدين العام وفق المعايير الدولية، والإصلاح الهيكلي بتنفيذ إصلاحات تثبت جدية الحكومة في تصحيح مسار الاقتصاد الكلي، وهو ما يطمئن الدائنين.
وقال: لذا، يمكن النظر إلى البرنامج على أنه “الشهادة الفنية” أو “الختم الصحي” الذي يثبت أهلية الاقتصاد السوري للدخول في مفاوضات جادة.
وأشار محمد إلى أنه وفي ظل التوازنات الجيوسياسية الحالية، فإن الحصول على هذه الشهادة من مؤسسة بحجم وحيادية صندوق النقد الدولي (نسبياً) سيشكل عامل ضغط إيجابي وقوة تفاوض للحكومة السورية للمطالبة بمعاملة تفضيلية، ولكنه ليس بديلاً من الإرادة السياسية للدائنين.
وأوضح محمد أن صندوق النقد الدولي يلعب دوراً مزدوجاً، لكن وزنه الأكبر وأدواته تنحاز بشكل أساسي لدور “المحفز التقني” الذي يُنتج، كنتيجة حتمية لعمله، وغلى “خارطة طريق سياسية” غير مباشرة.
وبرأيه ذلك يعود إلى أن الصندوق يركز على أدواته المعتادة كتحسين الإحصاءات، وإصلاح المالية العامة، وبناء قدرات المصرف المركزي، وتطوير القطاع المالي، موضحاً أن هذه الأدوات تهدف إلى خلق اقتصاد أكثر شفافية واستقراراً، وهو ما يجعله “مؤهلاً فنياً” لجذب التمويل والاستثمار. نجاحه في هذا الدور سيرسل إشارة إيجابية قوية للأسواق والمؤسسات المالية الدولية.
كما أن اشتراطه لمعالجة إرث الديون يضع ملف العلاقات مع الدائنين الدوليين على رأس أولويات الحكومة، ما يدفعها بشكل غير مباشر إلى تبني سياسة خارجية أكثر انفتاحاً واستقراراً لتسهيل هذا الملف، وإن الصندوق يستخدم أدواته التقنية ليخلق واقعاً اقتصادياً جديداً.
وأضاف: هذا الواقع الجديد هو الذي يرسم (خارطة الطريق) التي يجب على الحكومة اتباعها، ليس فقط في سياساتها الاقتصادية، بل وفي تعاملاتها المالية الدولية، ما يجعل دوره “محفزاً تقنياً” بمنتج سياسي واقعي.
وقال: يمثل البيان الصادر عن صندوق النقد الدولي لحظة فارقة في مسار التعافي الاقتصادي السوري، لكنه يحتاج إلى قراءة متأنية بعيداً عن النشوة الإعلامية، فالمؤشرات الإيجابية، كالفائض الموازني وتباطؤ التضخم، تعكس نجاح سياسات تقشفية وإدارية مرحلية، لكنها تبقى هشة ما لم تُبنَ على أسس إنتاجية حقيقية وتنويع اقتصادي يقلل الاعتماد على الإيرادات الريعية أو المؤقتة. وإن التحدي الأكبر الذي يواجه سوريا اليوم هو تحويل “الاستقرار النقدي” إلى “نمو شامل ومستدام”.
وأشار إلى أن ذلك يتطلب ربط الإصلاح النقدي بالاقتصاد الحقيقي فلا يكفي أن يرتفع سعر الصرف إذا لم يرافقه انتعاش في القطاعات الإنتاجية (زراعة، صناعة، خدمات) التي توفر فرص عمل حقيقية للعائدين والسكان، وإدارة توقعات الإنفاق العام فموازنة 2026 طموحة في زيادة الإنفاق على الرواتب والبنية التحتية، ولكن تمويل هذا الإنفاق يجب أن يأتي من إيرادات مستدامة (كإصلاح النظام الضريبي ومكافحة التهرب)، وليس من التضحية بالاستقرار النقدي الذي تحقق بصعوبة، مع ضرورة النظرة الشمولية
للدين فمعالجة إرث
الديون يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية متكاملة لإعادة الإعمار والتنمية، وليس مجرد عملية محاسبية، فالمطلوب هو مفاوضات ذكية تحول الدين من عبء إلى أداة لتمويل مشاريع تنموية تعود بالنفع على جميع الأطراف.
وختم محمد بالقول: إن عودة سوريا التدريجية إلى الخريطة الاقتصادية العالمية، برعاية فنية من صندوق النقد، تفتح نافذة أمل حقيقية، لكن المسار ما زال طويلاً وشاقاً، ويتطلب إرادة سياسية محلية قوية على الإصلاح، وحكمة في إدارة الملفات الخارجية، وفهماً دولياً لخصوصية المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، حتى لا تتحول بشائر التعافي إلى سراب.
(اخبار سوريا الوطن ١-الوطن )
syriahomenews أخبار سورية الوطن
