محمد نور الدين
يبدو موقف تركيا من العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران واضحاً ومحدّداً؛ إذ تعارض أنقرة الحرب على دولة لم تبادر إلى الاعتداء على أحد، وتبذل جهدها كي تكون بمنأى عن التورّط في الصراع، كما تحاول القيام بدور محايد، علّه يمنحها بطاقة وساطة في وقت لاحق، بدلاً من سلطنة عمان. لكنّ تركيا تحرص على أن لا يستدرجها أحد إلى أن تكون طرفاً في المعركة، وهو ما يجعلها، بالتبعية، أقرب إلى الموقف الأميركي – الإسرائيلي، نظراً إلى أنها دولة أطلسية، وهي طلبت من الحلف صراحة أن ينشر بطاريات صواريخ «باتريوت» لمواجهة أيّ هجوم من إيران. ومع أن الأخيرة نفت مسؤوليتها عن 3 صواريخ أسقطها الحلف، مدّعياً أنها كانت متّجهة إلى تركيا، ووجّهت أصابع الاتهام إلى أطراف ثالثة تريد الإيقاع بينها وبين أنقرة، فإن الموقف التركي لا يزال متذبذباً.
ففي كلّ بيانات وزارتَي الخارجية والدفاع التركيتين، توجّه أنقرة انتقادات إلى تل أبيب على خلفية عدوانها على طهران؛ وهو ما ينسحب أيضاً على مواقف المسؤولين الرسميين، وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب إردوغان. لكنّ أحداً لا يشير إلى أن الولايات المتحدة هي قائدة المعركة، والأساس في عمليات القصف والتدمير والقتل. وإذا كان إردوغان لا يريد الاصطدام بـ»صديقي ترامب»، فإنه لا يمكن تفسير الموقف التركي بالخوف من «جنون» الرئيس الأميركي فحسب، بقدر ما يمكن عزوه إلى التموضع التاريخي لتركيا إلى جانب حلف «الناتو»، وهو ما تُرجم في محطات كثيرة بدءاً من حلف بغداد، مروراً بالحرب في سوريا، وصولاً إلى الانخراط في خطة ترامب في شأن غزة، والآن العدوان على إيران.
تقدّمت لدى أنقرة سابقاً أولوية محاربة النفوذ الإيراني على مواجهة الخطر الصهيوني
والواقع أن جميع التيارات السياسية التركية تؤيّد البقاء في صفّ «الأطلسي»، درءاً لما تراه تهديدات من جانب الاتحاد السوفياتي سابقاً، وفي وجه المخاطر التي تعتقد أنها يمكن أن تأتي من الشرق والجنوب، خصوصاً من إيران وسوريا (قبل سقوط النظام البعثي). والآن تحديداً، ربما يرى الأتراك أن تجنّب التهديد الصهيوني المتمثّل بالسعي لتحقيق هدف «إسرائيل الكبرى»، يمكن لجمه فقط من خلال الثبات داخل حلف «الناتو» ودائماً برعاية أميركية، مع الإشارة هنا إلى أن سقوط النظام السابق في سوريا هو الذي فتح شهية إسرائيل في هذا البلد، وشرّع الباب أمام تحسّس تركيا مخاطر المشروع الصهيوني عليها. ولكنّ أنقرة لم ترَ وقتذاك أيّ أولوية متقدّمة على أولوية مزاحمة النفوذ الإيراني في المنطقة.
وإلى أبعد من ذلك يذهب البعض في أنقرة، معتبراً أن ضرب إيران يحقّق لتركيا هدفَين: الأول هو تصفية حسابات تاريخية ومذهبية وعرقية وسياسية، بدأت بين العثمانيين والحكم الصفوي في مطلع القرن السادس عشر، وصولاً إلى اليوم؛ وهو ما تزداد أهميته في ظلّ وجود حكم إسلامي يعتبر نفسه أميناً على الإرث العثماني. أمّا الهدف الثاني، فيتمثّل في أن التخلّص من النظام الإيراني، يمنح تركيا دوراً متقدّماً وريادياً في المنطقة، ربما بالشراكة مع إسرائيل. ولكن ماذا لو فشل العدوان الأميركي – الإسرائيلي في تحقيق هدف تصفية النظام؟ أو جرّ المنطقة إلى فوضى وكارثة لن تسلم منهما تركيا؟
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
