ضمن زاوية سانا الثقافية الأسبوعية “أمهات الكتب”، نقف عند كتاب “البيان والتبيين” لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، أحد أكثر الكتب رسوخاً في الذاكرة الأدبية العربية، وأحد النصوص التي تجاوزت قيمتها حدود عصرها، وظلت مرجعاً لا غنى عنه في فهم البلاغة والخطابة والنقد وفلسفة اللغة.
وليس حضور هذا الكتاب في التراث العربي حضوراً عابراً، فقد عدّه ابن خلدون في “المقدمة” واحداً من أصول فن الأدب وأركانه الكبرى، وتكفي هذه الشهادة لتدل على الوزن الثقيل الذي احتله “البيان والتبيين” في الثقافة العربية، بوصفه كتاباً مؤسساً ينطلق من تعليم القارئ صناعة الكلام، ليفتح أمامه أبواب النظر في علاقة اللغة بالعقل، واللفظ بالمعنى، والمتكلم بالمتلقي.
عقل موسوعي في زمن ازدهار المعرفة
بحسب ما تذكره كتب التراجم، ومن بينها “وفيات الأعيان” لابن خلكان و”سير أعلام النبلاء” للذهبي، وُلد الجاحظ في البصرة عام 159 هـ تقريباً، ونشأ في بيئة ثقافية مزدهرة كانت البصرة فيها مركزاً من مراكز اللغة والكلام والجدل والمناظرة.
وعُرف منذ طفولته بشغفه الاستثنائي بالمعرفة، رغم الفقر واليتم، وتورد بعض المصادر أنه عمل في صباه ببيع الخبز والسمك، وكان يقضي كثيراً من وقته بين دكاكين الورّاقين قارئاً ومتعلماً.
وتشير مقدمات محققي آثاره، ومنها تقديم حسن السندوبي لكتاب “البيان والتبيين”، إلى أن الجاحظ تتلمذ على يد كبار علماء عصره، مثل أبي عبيدة والأصمعي والأخفش، وانفتح على ثقافات عصره الفارسية واليونانية والهندية عبر الترجمة والنقاش الفكري، في زمنٍ شهد تداخلاً واسعاً بين علوم اللغة والكلام والفلسفة والأدب، لذلك تجاوز الجاحظ الأدب بمعناه الضيق، وغدا مثقفاً موسوعياً جمع بين الملاحظة والاستقراء والشك والسخرية والتحليل، وترك آثاراً كبرى في الأدب والفكر، من أبرزها “الحيوان”، و”البخلاء”، و”البيان والتبيين”.
البيان… من فصاحة اللسان إلى عمق المعنى
يشير المحقق السندوبي إلى أن “البيان والتبيين” يضم مادة غزيرة من الخطب والأشعار والنوادر، ولكنه تجاوز مسألة الجمع إلى تأسيس رؤية فكرية حول طبيعة البيان والتواصل وأثر اللغة في تشكيل الوعي، فالبيان عند الجاحظ ليس فصاحة لفظية أو زخرفة لغوية فحسب، بل قدرة على كشف المعنى وإزالة الحجب بين المتكلم والمتلقي.
ومن هنا تتسع دائرة الكتاب لتشمل البلاغة والخطابة والنقد واللغة وعلم الكلام وأخبار الخطباء والشعراء والأدباء، ضمن أسلوب جاحظي معروف يقوم على الاستطراد والانتقال الحر بين الفكرة والنادرة والخبر والتحليل، وفي هذا المزج بين الجد والهزل، وبين النص والتعليق، وبين المثال والحكم النقدي، تكمن فرادة الكتاب وقيمته، حتى عُد الكتاب موسوعة مبكرة في فلسفة اللغة وفنون التعبير.
داخل “البيان والتبيين”… خطب ونوادر وعيوب لسان وذائقة نقدية
يمنح الكتاب قارئه صورة واسعة عن عالم القول العربي في عصوره الأولى، ففيه أخبار الخطباء، ونماذج من الخطب، وشواهد من الشعر، ونوادر تكشف طرائق الكلام وأثرها، وملاحظات دقيقة عن عيوب النطق وآفات اللسان وتنافر الحروف، إلى جانب تأملات في الفصاحة والإيجاز والإطناب والتكلف والارتجال.
ويُظهر الكتاب الجاحظ ناقداً أدبياً عميقاً، لا يكتفي بتوثيق النصوص، بل يناقشها ويحللها ويوازن بينها، فقد انتقد التكلف والإسهاب والتقعير، ودعا إلى لغة سليمة بعيدة عن التعقيد والابتذال معاً، ورأى أن جودة الكلام لا تتحقق بجمال اللفظ وحده، بل بقدرته على إصابة المعنى والتأثير في السامع.
ويرى الباحث الدكتور محمد أمين الضناوي في مقال نشرته مجلة أوراق ثقافية أن الجاحظ أسّس في هذا الكتاب لذائقة نقدية متقدمة، حين فضّل الشعر المطبوع على الشعر المصنوع، واعتبر أن البلاغة الحقيقية تقوم على سلامة التعبير وصدق التأثير، لا على الزخرفة اللفظية وحدها.
البلاغة عند الجاحظ… من اللسان إلى الوعي
تتجلى أهمية “البيان والتبيين” في نظرته إلى اللغة بوصفها أداة تفكير وتأثير وتواصل، فالجاحظ يربط الكلام بالمقام وبالسامع وبالقدرة على الإفهام، ومن أجل ذلك اهتم بالخطيب والمتكلم والمتلقي، وبالهيئة والإشارة والصوت وطريقة الأداء، إلى جانب اللفظ والمعنى.
وهذه النظرة جعلت الكتاب محط دراسات طرحها نقاد معاصرون، فهو كتاب خرج من العصر العباسي، لكنه تجاوز لحظته لأنه انشغل بسؤال دائم: كيف تتحول اللغة من أصوات وكلمات إلى معنى مؤثر في النفس والعقل والمجتمع؟.
التراث في مرآة النقد الحديث
في سياق الدراسات الحديثة، شكّل “البيان والتبيين” محوراً لعدد واسع من القراءات النقدية التي حاولت إعادة اكتشاف التراث العربي عبر المناهج المعاصرة، حيث تطرح دراسة بعنوان “كتاب البيان والتبيين من منظور النقد العربي الحديث” سؤالاً فريداً، هل قرأ النقاد العرب الجاحظ انطلاقاً من نصوصه وسياقه التاريخي، أم أنهم أسقطوا عليه مفاهيم معاصرة لا يحتملها النص؟.
وتشير الدراسة إلى أن الناقد عبد العزيز حمودة حاول، في مشروعه النقدي “المرايا المقعرة”، بناء نظرية نقدية عربية انطلاقاً من التراث البلاغي القديم، حيث وجد أن الجاحظ قدّم إشارات مبكرة إلى مفاهيم حديثة تتعلق بالتواصل والإشارة ولغة الجسد وعلاقة المتكلم بالمتلقي.
في المقابل، انتقد مفكرون مثل علي حرب هذا التوجه، معتبرين أن بعض القراءات الحديثة وقعت في “الإسقاط المفاهيمي”، حين حُمّلت النصوص التراثية معاني معاصرة بهدف إثبات “سبق العرب” إلى النظريات الحديثة، بدلاً من إنتاج معرفة نقدية جديدة.
كما حاول الناقد التونسي شكري المبخوت قراءة الجاحظ عبر “نظرية التلقي”، مستنداً إلى حديثه عن مراعاة السامع وفهم طبيعة المتلقي، ليستنتج وجود وعي مبكر بعلاقة النص بالقارئ في التراث العربي.
الارتجال… سرعة البديهة حين يضبطها المعنى
من القضايا اللافتة في الكتاب موقف الجاحظ من الارتجال البلاغي، فوجد فيه قدرة تحتاج إلى عقل حاضر ومعنى محكم ولسان قادر على الإصابة، ورغم أن الجاحظ أعجب بسرعة البديهة حين تقترن بجودة القول، لكنه حذّر في الوقت نفسه من التسرع الذي يفسد البلاغة ويحوّل الكلام إلى استعراض فارغ.
ويرى الباحث عبد الكريم الحياري، في دراسة منشورة بمجلة اتحاد الجامعات العربية للآداب عام 2014، أن الجاحظ أقام معادلة دقيقة بين سرعة الجواب وصحة المعنى، ورأى أن البلاغة الحقيقية تتحقق حين تجتمع الفصاحة مع الإحكام، لا حين يطغى الارتجال على وضوح الفكرة.
أثر لا ينطفئ في ذاكرة العربية
بعد أكثر من ألف عام على رحيل الجاحظ، لا يزال “البيان والتبيين” نصاً حياً قابلاً لإعادة القراءة، فهو كتاب في الخطب والأخبار والنوادر، وفي العقل النقدي، وفي إظهار قدرة العربية على جعل البيان أداة للفهم والإقناع والتأمل.
لذلك بقي “البيان والتبيين” واحداً من أمهات الكتب في التراث العربي، وواحداً من النصوص التي تساعدنا على فهم جانب عميق من تكوّن الذائقة العربية، ومن علاقة العرب بالكلام والمعنى والجمال.
أخبار سوريا الوطن١-سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن

