أسماء الفريح
مع استمرار أزمة إغلاق مضيق هرمز، وتمسك الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمطالبة طهران إعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي خلال الأيام القادمة، وكشفه في أحدث تصريحاته عن توسلات إيرانية لإبرام صفقة وعرضهم إرسال عشر سفن نفطية للتعويض عن أخطائهم، تواصل دول الخليج العربي البحث عن بدائل لتصدير نفطها عبر مسارات أكثر أمانا وموثوقية.
صحيفة “فايننشال تايمز” ذكرت نقلا عن مصدر دبلوماسي لم يكشف عن هويته قوله تعليقا على تهديدات إيرانية بتشديد قواعد الملاحة في مضيق هرمز: إن “دول الخليج ستبحث عن بدائل من بينها بناء خطوط أنابيب”، موضحا أن من هذه الخيارات مد أنابيب نفطية لخلق مسارات بديلة للتصدير في ظل أزمة مضيق هرمز، مشيرا إلى أن سوريا بين الوجهات المطروحة.
وأكد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي في مقابلة تلفزيونية أن إغلاق هرمز واستهداف منشآت الطاقة أثرا على أكثر من 20% من إمدادات الطاقة العالمية، كاشفا عن تحرك خليجي جاد لوضع تدابير وخطط بديلة لتصدير النفط والغاز لضمان عدم بقاء الاقتصاد الخليجي رهينة للسياسات الإيرانية، مشددا على أن دول المجلس تمتلك احتياطات وصناديق سيادية ضخمة تمكنها من امتصاص الصدمات الاقتصادية الناتجة عن الحرب.
وفي إحاطة إعلامية له الخميس الماضي حول الاعتداءات الإيرانية، أوضح البديوي أن دول المجلس تنتج 16 مليون برميل نفط يوميا، أي 22 بالمئة من الإنتاج العالمي، وتصدر 27 بالمئة من إجمالي صادرات النفط الخام عالميا بما يعادل 11.5 مليون برميل يوميا، فضلا عن امتلاكها 33 بالمئة من الاحتياطيات النفطية العالمية البالغة 512 مليار برميل، و21 بالمئة من احتياطيات الغاز الطبيعي التي تبلغ 44 تريليون متر مكعب، وإنتاج 442 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا، أي ما يعادل 10 بالمئة من الإنتاج العالمي.
وأكد البديوي أن هذه الأرقام الضخمة تجعل منطقة الخليج ركيزة لا غنى عنها للاقتصاد العالمي، مبينا أن السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار في الخليج العربي تعدى كل الحدود، حيث قامت طهران بإغلاق مضيق هرمز ومنعت مرور السفن التجارية وناقلات النفط وفرضت مبالغ على العبور في المضيق، وهي تعد مخالفة لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وشدد البديوي على أن قطاع النقل يمثل ركيزة أساسية للأمن الاقتصادي لدول المجلس، نظرا لدوره الحيوي في ضمان تدفق السلع الاستراتيجية، مثل الغذاء والدواء والوقود، عبر المنافذ المختلفة، بما يحافظ على استقرار الأسواق في ظل الظروف الاستثنائية.
وخلال اجتماع استثنائي لوزراء النقل بدول مجلس التعاون الخليجي عقد عبر تقنية الاتصال المرئي قبل يومين، شملت توصيات المجتمعين اعتماد إجراءات تشغيلية مرنة لتسهيل النقل البري، وضمان انسيابية حركة الشاحنات والحافلات بين الدول الأعضاء، إلى جانب تطبيق إجراءات سلسة في الموانئ الواقعة خارج مضيق هرمز للبضائع المتجهة إلى دول المجلس، وتفعيل “الممرات الخضراء” لتسريع عبور السلع.
كما كشف وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي صالح الجاسر عن حزمة من المبادرات النوعية لمنظومة النقل والخدمات اللوجستية بهدف تعزيز التكامل اللوجستي بين المملكة ودول المجلس، ودعم استمرارية سلاسل الإمداد ورفع مرونتها، منها تمديد العمر التشغيلي للشاحنات في نشاط نقل البضائع ليصل إلى 22 عاما للشاحنة، وذلك حتى الخامس والعشرين من أيلول 2026.
دول الخليج ومد أنابيب نفطية
بعد اندلاع الحرب الأميركية – “الإسرائيلية”- الإيرانية، أجرى السيد الرئيس أحمد الشرع اتصالات هاتفية مع أمير دولة الكويت، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وملك مملكة البحرين، وأمير دولة قطر، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية، ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، شدد فيها على موقف سوريا الثابت برفض أي انتهاك لسيادة الدول العربية أو المساس بأمنها واستقرارها تحت أي ذريعة، وأكد أيضا أهمية تعزيز التنسيق العربي المشترك في هذه المرحلة.
ووفق تقارير إعلامية، فإن الرئيس الشرع أبدى استعداد سوريا لكل أشكال التعاون، بما في ذلك فتح الجغرافيا السورية كممر تجاري استراتيجي يمكن الاعتماد عليه لنقل البضائع عبر البر السوري والموانئ، كبديل عن الممرات البحرية التي تشهد توترات أمنية متصاعدة.
يقول محمد سليمان، الباحث في مركز “جسور” للدراسات، في حديث لصحيفة “الثورة السورية” إنه يتم طرح سوريا لتكون أحد المسارات البديلة لدول الخليج لنقل النفط بعيدا عن مضيق هرمز، مضيفا أنه رغم وجود خطوط حالية في السعودية والإمارات، إلا أنها لا تغطي سوى جزء محدود من حجم الصادرات، ما يفتح المجال أمام مشاريع جديدة عبر سوريا.
وأضاف أن هذه المشاريع قد تكون فعالة على المدى المتوسط، خاصة أنها تتجاوز المسارات البحرية المزدحمة والمهددة وتستفيد من البنية التحتية القائمة، لكنها تتطلب استثمارات ضخمة وتعاونا سياسيا واسعا، مما يجعلها خيارا مكملا لا بديلا فوريا.
ويشكل خط الأنابيب السعودي شرق-غرب المعروف باسم “بترولاين” شريانا لنقل النفط من منشآت المنطقة الشرقية وصولا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. ووفق صحيفة “وول ستريت جورنال” فإن المملكة العربية السعودية تضخ أقصى ما يمكن من الخام عبر خطها هذا الممتد من الشرق إلى الغرب، علما أنه تم تشييد هذا الخط في أوائل الثمانينيات عندما كانت الحرب العراقية-الإيرانية تهدد الملاحة في الخليج.
وتحول خط الأنابيب هذا إلى واحد من أهم البنى التحتية في الاقتصاد العالمي، فيما توقعت شركة أرامكو السعودية في العاشر من آذار الجاري ضخ ما يصل إلى سبعة ملايين برميل يوميا عبره، بحسب ما ذكر أمين الناصر، الرئيس التنفيذي للشركة.
ويخصص نحو مليوني برميل من هذه الكمية للمصافي السعودية، فيما يمكن أن تصل خمسة ملايين برميل يوميا إلى الأسواق العالمية، وهذا يعادل معظم شحنات السعودية من الخام عبر مضيق هرمز قبل اندلاع الحرب، وفقا لما أفادت وكالة الطاقة الدولية.
أما المسار الثاني الذي تقوده الإمارات عبر خط حبشان-الفجيرة، فإنه ينقل النفط من حقول أبو ظبي البرية بشكل مباشر إلى ميناء الفجيرة على خليج عمان، متجاوزا مضيق هرمز بالكامل. وقالت “وول ستريت جورنال” إن هذا الخط ينقل ما يصل إلى 1.8 مليون برميل يوميا، علما أنه كان يضخ فعليا نحو 1.1 مليون برميل قبل اندلاع الحرب، بحسب وكالة الطاقة الدولية.
وأشارت الصحيفة إلى أنه لا يمكن لهذين الخطين تعويض التدفقات الهائلة التي تحملها ناقلات النفط، إلا أن تشغيلهما يمنع الأزمة الراهنة من التفاقم أكثر، مبينة أنه رغم أن تحميل النفط من البحر الأحمر أو من ميناء الفجيرة يعد أكثر أمانا مقارنة بالدخول إلى الخليج العربي، لكنه يحمل في طياته بعض المخاطر أيضا.
ونقلت “وول ستريت جورنال” عن آدي إمشيروفيتش، المتداول السابق والمحاضر بجامعة أكسفورد، قوله: “إذا ظهرت فجأة ناقلتا نفط عملاقتان: خارجة من ينبع وأخرى من الفجيرة، فسيكون لذلك أثر نفسي يوحي بأن النفط لا يزال يتدفق”، مضيفا أن “ما يقلقني حقا هو سهولة استهداف تلك الخطوط”.
سوريا “الباب الخلفي” لإمدادات الطاقة العالمية
أكد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك خلال مشاركته في “ندوة الطاقة السورية-الأميركية” التي ينظمها Atlantic Council وU.S.-Syria Business Council على هامش مؤتمر “CERAWeek” للطاقة في الولايات المتحدة، أن سوريا باتت “الدولة الأكثر استقرارا في الشرق الأوسط”، وأن موقعها الجغرافي الفريد يجعلها المرشح الأمثل لأن تكون “الباب الخلفي” لإمدادات الطاقة العالمية في ظل اضطرابات مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وذكر باراك أن صناعة الطاقة تحولت من أولوية التوزيع إلى أولوية الأمن، وذلك لأن الممرات المائية التي كانت الأساس في نقل الطاقة أصبحت اليوم بحاجة إلى حماية وأمان، موضحا أنه من هنا تظهر أهمية الموقع الجغرافي لسوريا من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب مع إمكانات هائلة.
وقال باراك: “نحن أمام لحظة تاريخية تمتلك فيها سوريا القدرة الجغرافية والسياسية لتكون حلا لمضيق هرمز والبحر الأحمر، وهذا أمر استثنائي وفرصة جديدة أعيد تفعيلها”، مضيفا أن الوضع السياسي في سوريا بحد ذاته لا يعاني من “المشاكل المزمنة” التي تعاني منها الدول المجاورة.
وحول ذلك، يقول الباحث سليمان إن وصف باراك لسوريا بأنها الدولة الأكثر استقرارا في الشرق الأوسط حاليا يعكس محاولة لتسويق هذا البلد بوصفه بيئة مناسبة لمشاريع الطاقة والبنية التحتية بعد التغيرات السياسية التي قد تحصل في المنطقة خلال الأسابيع المقبلة.
وأضاف أن الموقع الجغرافي لسوريا يعد عاملا أساسيا في هذا الطرح، إذ تقع في نقطة وصل بين الخليج العربي والبحر المتوسط، ما يجعلها ممرا مهما لنقل النفط والغاز، إضافة إلى أن موانئها على المتوسط تتيح الوصول إلى أوروبا بمسافة أقصر مقارنة بالمسارات التقليدية، إلى جانب إمكانية ربطها بسهولة مع تركيا والعراق.
وتابع أنه ينظر إلى الاستقرار النسبي الحالي في سوريا على أنه عنصر مهم يقلل من المخاطر الأمنية التي لطالما أثرت على مشاريع الطاقة في المنطقة، وهو ما يعزز جاذبيتها مقارنة ببعض الدول المجاورة.
مشروع “البحار الأربعة”
استعاد المبعوث الأميركي باراك الحديث عن مشروع “البحار الأربعة” الذي يربط منطقة الخليج ببحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود كبديل محتمل عن مضيق هرمز والبحر الأحمر ليكون ممرا آمنا لنقل إمدادات الطاقة.
وذكر باراك في كلمته خلال الندوة أن الفرص لا تكمن في الإنتاج بل في خطوط الأنابيب أيضا، معتبرا أنه تاريخيا لم تعمل خطوط الأنابيب في الشرق الأوسط بكفاءة بسبب الحروب المستمرة، حيث كانت هناك انقطاعات أمنية متكررة، إضافة إلى ضعف البنية التحتية ونقص الاستثمارات.
لكنه قال إن هناك فرصة استثنائية جراء الوضع الخطير الناتج عن عملية “الغضب الملحمي” في الممرين البحريين هرمز والبحر الأحمر، ولذلك فهناك حاجة لمسارات بديلة، وخاصة أن خطوط الأنابيب المحلية والدولية تتقاطع معا، مشيرا إلى أن سوريا وتركيا هما مركز توزيع الطاقة.
يمثل مشروع “البحار الأربعة” رؤية جيوسياسية واقتصادية طرحها الرئيس التركي السابق عبد الله غول عام 2009 لجعل سوريا وتركيا بمثابة مركز إقليمي لربط البحار الأربعة: البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأسود، وبحر قزوين، والخليج العربي، من خلال شبكة أنابيب وطرق تجارية لتعزيز نقل الطاقة والتجارة وجعل سوريا حلقة وصل استراتيجية بين الشرق والغرب.
ويوضح الباحث في مركز “جسور” للدراسات أن هذا المشروع ليس جديدا، لكن يعاد إحياؤه الآن في ظل أزمة مضيق هرمز التي تفاقمت بسبب الحرب الإيرانية- “الإسرائيلية” في المنطقة واضطرابات البحر الأحمر.
ويضيف أن هذا المشروع يمكن أن يفتح بابا لفرص اقتصادية كبيرة لسوريا، لكنه يعتمد على استقرار سياسي حقيقي واستثمارات ضخمة، حيث يهدف المشروع إلى ربط أربعة بحار: الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود، ويتم ذلك عبر إنشاء شبكة أنابيب نفط وغاز وسكك حديد وممرات برية تجعل سوريا وتركيا مركز إعادة توزيع طاقة عالمي.
وأشار إلى أنه يمر عبر مضيق هرمز 20 مليون برميل نفط يوميا، أي ما يعادل 20% من الإمدادات العالمية، ولذلك فإن أي إغلاق أو تشديد إيراني يرفع أسعار النفط عالميا ويسبب أزمات، مبينا أن مشروع “البحار الأربعة” يوفر مسارا بريا بديلا كاملا يتجاوز هرمز تماما ويقلل الاعتماد على المنافذ البحرية المهددة في المنطقة، ويربط نفط الخليج مباشرة مع موانئ البحر المتوسط.
ولفت إلى أن هذا المسار يسمح بتصدير أسرع وأرخص إلى أوروبا دون الحاجة إلى الدوران حول أفريقيا أو المرور بمناطق خطرة، كما أنه يدمج بحر قزوين مع أسواق المتوسط، مما يعزز التنويع العالمي للإمدادات، إضافة إلى أن تكلفة النقل عبر الأنابيب أقل من الناقلات البحرية على المدى الطويل وأكثر أمانا من التهديدات البحرية.
وخلال الأسبوع الماضي، وبهدف تنويع مصادر التصدير وتسهيل وصول النفط العراقي إلى الأسواق العالمية في ظل توقف التصدير جنوبا جراء إغلاق مضيق هرمز، دعت حكومة محافظة الأنبار إلى إعادة تشغيل خطوط استراتيجية مهمة، منها خط كركوك-بانياس عبر سوريا، لإنعاش اقتصاد العراق وتعزيز التجارة ونقل المسافرين.
ويخلص الباحث سليمان إلى القول إن هذه المشاريع المقترحة حاليا قد تحقق فوائد اقتصادية كبيرة لسوريا على المدى المتوسط والبعيد، من خلال إيرادات العبور وخلق فرص عمل وتنشيط قطاعات النقل والطاقة وتعزيز أمنها الطاقي وجذب استثمارات خارجية، كما أنها تمثل فرصة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين سوريا ودول الخليج والأردن وتركيا والعراق، بما يساهم في تحقيق نوع من الترابط الإقليمي والاستقرار السياسي على المدى الطويل.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
