عمار عبد اللطيف
تُعدّ محافظة الرقة واحدة من أبرز الحواضر التاريخية في شمالي سوريا، إذ تختزن في جغرافيتها آثاراً تمتد من العصور القديمة الأولى لاستيطان الإنسان وتحوله إلى التجمعات البشرية، وصولاً إلى الفترات الإسلامية، لتشكل سجلاً حياً لتحولات سياسية وثقافية تعاقبت على المنطقة عبر قرون.
ويواجه هذا الإرث الغني، الذي شكّل يوماً جزءاً أساسياً من هوية المحافظة، تحديات كبيرة تهدد باندثاره، نتيجة ما خلّفته حرب النظام المخلوع من دمار، وما تبعها من إهمال ونقص في جهود الحماية والترميم خلال سنوات غياب المؤسسات الرسمية عن المحافظة.
وتحتضن الرقة مجموعة من أبرز المعالم الأثرية التي تعكس مكانتها التاريخية، إذ تنتشر هذه الآثار داخل المدينة وفي محيطها، وتشمل معالم بارزة مثل سور الرقة القديم وبوابة بغداد وقصر البنات، ما يعكس أهمية الرقة كمركز حضاري وتاريخي عبر القرون.
ولا تقتصر المواقع الأثرية على مركز المدينة، بل تمتد إلى الريف المحيط بها، حيث تنتشر تلال أثرية عديدة تضم بقايا مدن قديمة، مثل تل البيعة الذي يُعتقد أنه موقع مدينة “توتول” القديمة، إلى جانب تلال أخرى تعود إلى فترات زمنية مختلفة، من العصر الحجري الحديث وحتى العصور البيزنطية، ما يجعل المحافظة واحدة من أغنى المناطق السورية بالتنوع الأثري.
وتشير التقديرات إلى وجود مئات المواقع الأثرية في محافظة الرقة، تتنوع بين مبانٍ ظاهرة وتلال مدفونة تحت الأرض، وهو ما يعكس عمق الاستيطان البشري في المنطقة عبر آلاف السنين، إضافة إلى احتضان المدينة معالم دينية وتاريخية مهمة مثل مسجد المنصور، الذي يُعد من أبرز الشواهد على العمارة الإسلامية في العصر العباسي.
وفي عام 2017، قدّرت مديرية الآثار والمتاحف في الرقة حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية في المحافظة، مشيرة إلى أن الأضرار طالت 15 موقعاً أثرياً، من أصل 710 مواقع في عموم سوريا.
وأفادت المديرية حينها بأن متحف الرقة، الذي كان في الأصل سرايا قديمة تعود إلى العهد العثماني، واحتفظ منذ عام 1981 بآثار كلاسيكية وأخرى تتعلق بالشرق القديم والعصر البرونزي والفترة الإسلامية، تعرض لسرقة تسعة صناديق من مقتنياته، إضافة إلى أضرار كبيرة في الأبواب والنوافذ نتيجة انفجار وقع داخله.
وبحسب المديرية، فإن مسجد المنصور، الذي شُيّد في عهد الخليفة أبو جعفر المنصور في القرن الثامن الميلادي، وأدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي إلى جانب بقايا المدينة العباسية في حزيران 1999، تعرض لعمليات حفر باستخدام الآليات الثقيلة.
وأضافت مديرية الآثار والمتاحف أن ميليشيا “داعش” اقتحمت كلاً من قلعة جعبر ومبنى هرقلة، وسرقت مئات القطع الأثرية منهما، كما لم تسلم تلال الرقة الأثرية، التي تضم بقايا مدن تاريخية متكاملة، من أعمال التنقيب غير المشروع والنهب.
وتعرض تل البيعة، الذي يحتوي على آثار مدينة توتول القديمة المذكورة في النصوص المسمارية، والتي يعود تاريخها إلى العصر البرونزي المبكر في الألفية الثالثة قبل الميلاد، لأعمال تخريب، إلى جانب تل حمام التركمان، وتلي الشيخ حسن وشاهين العائدين إلى الفترة البيزنطية.
وشملت الأضرار أيضاً تلي الصبي أبيض ومفش، اللذين تعود آثارهما إلى نهاية الألفية السادسة وبدايات الألفية الخامسة قبل الميلاد في العصر الحجري الحديث، إضافة إلى تلي دامر الشرقي والغربي، حيث تعرضت جميعها لعمليات تخريب ونهب، وفقاً لما أكدته مديرية الآثار والمتاحف آنذاك.
آثار الرقة خلال سنوات
مع تصاعد العمليات العسكرية التي شهدتها المحافظة خلال سنوات مضت، تعرضت العديد من المواقع الأثرية لأضرار جسيمة، نتيجة القصف المباشر من قبل قوات النظام المخلوع أو التحالف الدولي لمحاربة ميليشيا “داعش”، أو الاشتباكات التي دارت في محيطها.
ولم يقتصر الضرر على الدمار الفيزيائي فحسب، بل شمل أيضاً استخدام بعض هذه المواقع لأغراض عسكرية، ما أدى إلى فقدان أجزاء من قيمتها التاريخية والمعمارية، إلى جانب عمليات التنقيب العشوائية التي طالت المواقع الأثرية.
ويقول الصحفي أحمد العساف إن ما تشهده الرقة اليوم لا يقتصر على الدمار العمراني، بل يمتد ليطال ذاكرتها التاريخية، مشيراً إلى أن المواقع الأثرية التي صمدت لقرون أمام تعاقب الحضارات تواجه اليوم خطر الاندثار نتيجة الإهمال وغياب الحماية.
ويضيف العساف، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أن جولة ميدانية في محيط سور الرقة القديم أو قصر البنات تكشف حجم التدهور، حيث تختلط الأنقاض بالنفايات، وتُترك المعالم دون أي إجراءات صيانة حقيقية، ما يعكس ضعف الاهتمام الرسمي بالتراث الثقافي.
ويؤكد أن المشكلة لا تتوقف عند نقص الإمكانيات، بل تتجاوزها إلى غياب الوعي المجتمعي، لافتاً إلى أن بعض التجاوزات، كالتخريب أو استخدام المواقع الأثرية كمساكن أو مكبّات، تسرّع من تآكل هذا الإرث التاريخي.
ويشدد العساف على أن ما تعانيه المواقع الأثرية في الرقة لم يقتصر على تداعيات القصف، بل استمر خلال مرحلة ما بعد سيطرة تنظيم “قسد” عام 2017، إذ لم تحظَ هذه المواقع بالأولوية ضمن خطط الإدارة المحلية.
وعلى الرغم من تشكيل لجان مختصة بالثقافة والآثار وبعض مشاريع الترميم التي نفذتها منظمات غير حكومية، بقيت أعمال الترميم محدودة وبطيئة، واقتصرت في كثير من الأحيان على تدخلات بسيطة لا تلبي حجم الأضرار، وفق ما يقوله العساف.
ويشير إلى استمرار تدهور معالم بارزة مثل سور الرقة القديم وبوابة بغداد، وسط غياب مشاريع شاملة للحماية وإعادة التأهيل، ما يعكس فجوة واضحة بين الحاجة الفعلية للحفاظ على التراث والإجراءات المتخذة على أرض الواقع.
ويختم العساف بالقول إن إنقاذ آثار الرقة يتطلب جهداً مشتركاً يجمع بين الجهات المحلية والمنظمات الدولية، إلى جانب دور أساسي للإعلام في تسليط الضوء على هذه القضية، قبل أن تفقد المدينة ما تبقى من شواهد تاريخها.
غياب الرقابة والحماية
تشير شهادات محلية وتقارير توثيقية إلى أن عدداً من المعالم تعرض لعمليات تخريب ونهب، رافقه غياب الرقابة والحماية، الأمر الذي أدى إلى فقدان قطع أثرية لا تُقدّر بثمن.
ويقول عزت الموح، المختص في مجال التراث والآثار والمدير التنفيذي لمنظمة “رؤيا” المعنية بحماية التراث، إن ما تعرضت له المواقع الأثرية في الرقة وريفها خلال السنوات الماضية لا يمكن فصله عن سياسات وإجراءات اتُّبعت خلال فترة حكم النظام المخلوع، حيث سُجلت انتهاكات لم تقتصر على الإهمال، بل وصلت إلى استثمار مباشر في هذه المواقع عبر شبكات مرتبطة بجهات رسمية أو موظفين ضمن القطاع الأثري نفسه.
ويضيف، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن بعض عمليات التنقيب غير الشرعي وبيع اللقى الأثرية جرت بغطاء أو بعلم أشخاص يعملون ضمن مؤسسات الدولة آنذاك، إلى جانب التعدي على حرمة المواقع من خلال السماح بالبناء داخلها أو على أطرافها في ريف الرقة، ما أدى إلى طمس أجزاء من المعالم وفقدان سياقها التاريخي.
ويتابع أن هذه الانتهاكات لم تتوقف مع تغيّر السيطرة، بل استمرت خلال الفترات اللاحقة، حيث شهدت مناطق واسعة خاضعة لسيطرة تنظيم “قسد” ممارسات مشابهة من حيث ضعف الحماية وغياب الرقابة، ما فتح الباب مجدداً أمام التنقيب العشوائي والعبث بالمواقع، كما سُجلت حالات نهب وتخريب في أكثر من موقع.
كما يشير إلى أن فترة سيطرة ميليشيا “داعش” شكّلت مرحلة قاسية على المواقع الأثرية، حيث جرى تدمير أجزاء من المواقع واستخدام بعضها لأغراض بعيدة تماماً عن قيمتها التاريخية، ومنها متحف الرقة الذي خرج كلياً عن وظيفته وتحول إلى مساحة مهملة ومشوّهة، إذ استُخدم قسمه الأمامي كمحل للشواء والمأكولات، بينما تحول القسم الخلفي إلى مكان لوضع البرادات والغسالات، في حين كان جزء منه مدمّراً بالكامل.
ويؤكد أن المتحف بقي لفترة طويلة في حالة متردية، إلى أن تدخلت لاحقاً منظمة “رؤيا”، وعملت على إعادة تأهيله وترميمه بشكل كامل وإعادته إلى وظيفته كمرفق ثقافي.
وفيما يخص مواقع مثل سور الرقة وقصر البنات، يوضح أن الوضع الحالي يعكس استمرار التدهور، حيث تحولت أجزاء من هذه المواقع إلى مكبّات للنفايات، وتعرضت بنيتها للتآكل نتيجة الرطوبة والإهمال. كما أن بعض الأقسام الداخلية من سور الرقة لم تعد تُعامل كموقع أثري، بل أصبحت مناطق استخدام عشوائي، سواء للسكن أو للأنشطة الصناعية أو حتى الزراعة من قبل بعض السكان، دون أي تنظيم.
ويشدد على أن ما حدث هو تراكم لسنوات من غياب الحماية والمساءلة، واستخدام المواقع الأثرية خارج إطارها القانوني والثقافي، ما يهدد بخسارة جزء مهم من ذاكرة المنطقة إن لم يتم التعامل معه بشكل عاجل وجاد.
ورغم انتهاء العمليات العسكرية في المدينة، لا تزال المواقع الأثرية في الرقة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها غياب عمليات الترميم وإعادة التأهيل، إذ إن الكثير من هذه المواقع تُركت دون ترميم، ما يجعلها عرضة لعوامل التعرية الطبيعية، إضافة إلى التعديات البشرية التي تفاقم من تدهور حالتها.
ويؤكد محمد الجاجان، المختص في الآثار وعضو شعبة المباني والتنقيب، أن آلية ترميم المواقع الأثرية يجب أن تعتمد على استخدام مواد مطابقة لتلك التي يتكون منها الموقع الأثري الأصلي، وذلك بهدف الحفاظ على أصالته وهيكله الإنشائي.
ويوضح الجاجان، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن المواقع الأثرية المبنية من الطوب الطيني (اللبن) تتطلب استخدام مواد مشابهة، تتمثل في التربة الفراتية الخالية من الأملاح، والتي يُضاف إليها القش (التبن) لزيادة تماسكها.
وأشار إلى أن هذا الأسلوب معروف لدى سكان المناطق الريفية، ويضمن تحقيق التوافق الإنشائي والحراري مع البناء الأصلي، مضيفاً أنه بعد الانتهاء من أعمال الترميم باستخدام “اللبن”، يتم تلبيس الموقع المرمم بطبقة من الطين (اللياسة) للحفاظ على تماسكه ومظهره.
ويبيّن الجاجان أن محافظة الرقة تمتلك أفراناً مخصصة لصناعة اللبن الطيني، حيث يتم “شوي” الطوب بعد تشكيله الأولي لزيادة صلابته، لافتاً إلى أن هذه الأفران تعمل وفق مواصفات عالمية وتُعد الوحيدة من نوعها في سوريا.
وفيما يتعلق بالمواقع الأثرية المبنية من الصخور، مثل موقع الرصافة الأثري جنوب غربي مدينة الرقة، يشدد الجاجان على أنها تحتاج إلى استخدام صخور متوافقة مع الصخور الأصلية، إلى جانب إضافة مواد تقوية مثل “الإيبوكسي” أو “الأكريليك”، والتي تمنح البناء قوة وصلابة أثناء عمليات الحشو والترميم.
وأشار إلى أنه يتم أيضاً حشو المباني والجدران المتضررة في المواقع الأثرية باستخدام مادة الجص الأبيض، لما توفره من دعم إضافي للبنية المتضررة.
عودة مؤسسات الدولة
بعد تحرير محافظة الرقة من تنظيم “قسد”، وعودة مؤسسات الدولة إلى العمل الرسمي فيها بعد توقف استمر لأكثر من عقد، بدأت المديريات الفرعية عملها من جديد، ومنها مديرية الآثار والمتاحف، التي باشرت بإجراء عمليات مسح ميداني وتقييم لتحديد أولويات العمل في المحافظة.
ويقول سعود العرسان، مدير مديرية الآثار والمتاحف في محافظة الرقة، إن المديرية تعمل حالياً على تنفيذ مجموعة من الخطط والمشاريع الهادفة إلى حماية وتأهيل المواقع الأثرية في المحافظة، موضحاً أن العمل يجري على مسارين رئيسيين.
ويبين العرسان، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن الخطة الأولى تتضمن إعداد مشاريع لترميم سور الرقة الأثري، على أن تنطلق أعمال الترميم مطلع الصيف المقبل، إضافة إلى إعادة تفعيل معمل القرميد، مشيراً إلى أن تنفيذ هذه المشاريع مرتبط بانتظار الموازنة المخصصة لهذا الغرض.
ويضيف أن الخطة الثانية بدأت بالفعل من خلال تنفيذ مسح ميداني لعدد من المواقع الأثرية في الرقة، من بينها تل البيعة وتل الأسود ومحيطهما، حيث تم إعداد تقارير توثق الأضرار التي لحقت بهذه المواقع، بما في ذلك عمليات التجريف، إلى جانب مراسلة الجهات الوصائية بهدف ضبط هذه الانتهاكات.
ويلفت العرسان إلى أن المديرية ستستكمل قريباً أعمال المسح الميداني لتشمل كامل المواقع الأثرية داخل مدينة الرقة وريف المحافظة، لافتاً إلى أن مشروع المسح الميداني لجامع الرافقة وصل إلى مراحله الأخيرة، تمهيداً لإعادة ترميمه ومعالجة المخالفات التي تعرض لها.
ويؤكد أن الخطط موجودة والعمل مستمر، إلا أن المديرية تواجه تحديات كبيرة قد تؤثر في تنفيذ هذه الخطط، في ظل محدودية الإمكانيات المتاحة حالياً.
ويوضح أن سوريا عموماً، وليس محافظة الرقة فقط، تواجه ما وصفه بـ”هجمة غير مسبوقة” من أعمال التنقيب العشوائي في المواقع الأثرية، مشيراً إلى أن بعض الأشخاص يروجون لوجود تساهل رسمي تجاه هذه العمليات، إلا أنه شدد على أن القانون السوري يجرّم التنقيب غير المشروع، وأن الجهات المعنية تعمل على ضبط هذه المخالفات.
وتقف الرقة اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما الحفاظ على ما تبقى من إرثها التاريخي بوصفه جزءاً من هويتها ومستقبلها، أو تركه عرضة للنسيان والاندثار. وبين هذين الخيارين، تبقى الحاجة ملحّة لتحرك جاد يعيد الاعتبار لذاكرة مدينة كانت يوماً مركزاً حضارياً مهماً، ولا تزال آثارها تروي حكايات لم تُكتب نهايتها بعد.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
