آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » سوريا التي نحب

سوريا التي نحب

غسان المفلح

 

من سوريا المنهكة إلى سوريا التي نحب، ليست فقط قضية انتقال سياسي ودستوري، بل هي قضية انتقال مجتمعي. من مجتمع لم تترك الأسدية فيه فقط المجازر والمذابح والمخيمات والوضع الاقتصادي في الحضيض، جراء نهب استمر منذ عام 1970 وحتى سقوطها، إلى مجتمع يحبه السوريون.

الانتقالات السياسية والدستورية تتحكم فيها موازين القوى بين المصالح السياسية والأيديولوجية والطبقية، ومصالح دول كانت حاضرة في المقتلة. هذه القوى للأسف حتى الآن قوى فوق سورية. هل هذا ما يريده الشعب السوري؟ اتفاقيات هنا وهناك بين هذه الأطراف بحضور هذه الدول؟ سوريا تركتها الأسدية بأضعف حال.

لا يمكن الحديث عن عقد اجتماعي جديد اعتماداً فقط على هذه القوى واتفاقياتها. حتى وإن كانت هذه الاتفاقيات خطوة أولية ضرورية، لرفع الخطر عن السلم الأهلي في البلد. رغم أن هذه القوى لا تزال تضرب مراجل كما يقال على المجتمع السوري، المنهك والمشرذم. قوى تمتلك مخزناً مالياً توزع منه على عناصرها المسلحة أو غير المسلحة، في حالة استثمارية لتحقيق هذه المصالح. سواء كان هذا المخزن يأتيها من دول أو من موارد سورية.

هذه القوى ليس من مصلحتها اندماج مجتمعي. لهذا نراها تحاول دوماً أن تعيق أية عملية يمكن أن تؤدي إلى فقدان وجودها لصالح المجتمع السوري برمته. كنت قد أشرت مراراً إلى أن هذه الاتفاقيات رغم ما تحمله من إيجابية من شأنها أن تحقن الدم السوري، لكنها في نفس الوقت تحمل في طياتها مصالح الشخوص القائمين عليها.

هذا خطر محدق وسيبقى حتى تتجاوز سورية هذه الاتفاقيات. السؤال كيف؟ ربما ما أطرحه هنا يعتبر نوعاً من المثالية، لكنني لا أرى معبراً غيره، من أجل سورية التي نحب. هنا تأتي مهمة السلطة بالدرجة الأولى. وضع تصور من أجل خطوات مجتمعية حقيقية. لا يفيد كثيراً الحديث عن مؤتمر وطني عام وغيره مما تطرحه بعض النخب هنا وهناك. لأن هذا المؤتمر الوطني العام لن يعطي نتيجة إلا في مصلحة القوى المسيطرة على الشارع.

وكمثال على ذلك، فالاتفاق مع قسد لم ينتج اندماجاً مجتمعياً حراً. بل كما ذكرت، هو إيجابي لأنه حقن الدم. لكن القوى المتحكمة لا تزال موجودة. والدليل أن الخلاف الكردي- الكردي لا يزال قائماً. وهذا ما تسبب، بشكل رئيسي، بالإشكاليات التي حدثت في يوم النيروز، أقصد حادثة إنزال العلم من قبل جماعة جوانن شوركن، وهي التي تدار من قبل قيادة قنديل، على إثر لقاء جمع شخصيات كردية مع الرئيس الشرع من جهة، وعلى التنسيق في دمشق وحلب بين الجهات الرسمية والمجلس الوطني الكردي، من أجل قيام احتفالات مركزية بعيد النيروز، وختمت في احتفال مركزي في دار الأوبرا حضره وزراء.

إذا كانت السلطة -كما يقال- تراوغ في قضية الانتقال السوري نحو مجتمع ديمقراطي، تيمناً بالنموذج التركي مثلاً، فهل قسد ومن يقودها تقبل بانتقال ديمقراطي حقيقي في الساحة الكردية السورية؟ أم تريد أن تبقى متحكمة بالمشهد الكردي السوري؟ الاتفاق الذي حصل برعاية أميركية واضحة، رفع الغطاء عن كثير من المبررات التي كانت توضع من أجل عدم الاندماج.

الاتفاق ضمِن مواقع مسؤولية في الدولة لقيادات من قسد، لكنه لم يضع مسؤولاً واحداً من المجلس الوطني الكردي. الحل يبدأ بمزيد من التبني الديمقراطي للنموذج التركي من قبل السلطة، بدون لكن ولعل. هذا التبني يمكن أن يكون عنواناً واضحاً للاندماج المجتمعي. المرسوم رقم 13 وما تبعه من إجراءات حكومية، يسهل البدء في الخطوات الاندماجية المجتمعية.

بعد التحرير بأيام، طالبت أهل حمص بتبادل زيارات بين أحيائها، وجعلها مقدمة لخطوات أخرى. لنقل ببساطة أيضاً: السوريون يحتاجون أن يتعرفوا على بعضهم في جو الحرية من جديد، وقيام نشاطات متبادلة وعابرة للمكونات السورية كما حدث في النيروز. هذه لا تحتاج إلى اتفاقيات بين قوى سياسية مسلحة مطالبها مرتبطة بمطالب شخوص القائمين عليها، بل تحتاج إلى تفعيل أجهزة الدولة المعنية من أجل دعم مثل هذه النشاطات. كما كان الفرح واضحاً عند السوريين في دمشق وعفرين وحلب باحتفال النيروز، رغم ما حدث من تعكير للجو.

بالمقابل، بدل أن تقوم بعض الأجهزة الحكومية في ردم هذه الهوة، والمساعدة بمثل هذه النشاطات، تحاول أن تطبق بعض القوانين المثيرة للخوف عند السوريين من كونه اعتداء على الحريات الفردية. كما حدث في قرار الكحول الصادر عن محافظة دمشق. هل كان هذا القرار مصيرياً مثلاً حتى تجازف محافظة دمشق بإصداره؟ أم أن كل ما جرى أنه زاد المجتمع معركة كنا بغنى عنها؟

لكن الإيجابية أن هنالك رأياً عاماً بدأ السوريون يعرفون قيمته أكثر فأكثر في الاعتراض على قرارات سيئة مثل هذا القرار، مما حدا بالمحافظة أن تقدم اعتذاراً لا يلغي القرار، لكن فيه عنواناً أنها لا تريد التعرض للحريات الشخصية، وهذا أمر مهم يشكل عنوان محاسبة للمحافظة في حال قامت بأي إجراء مشابه. لهذا استمرار الاعتراض مطلوب حتى يتم إلغاء هذا القرار نهائياً.
فيما يتعلق بالاندماج المجتمعي، هنالك تجارب كثيرة في العالم حدثت يمكن الاستنارة بها مثل جنوب أفريقيا، لكن ليس لبنان، وليس العراق. سورية التي نحب هي التي جسدتها احتفالات النيروز هذا العام، وأتمنى أن تصير تقليداً يعمم على كل سورية.

أخيراً، لماذا لا تتبادل قوى المجتمعات الأهلية والمدنية من عرب الجزيرة وسريانها وكردها نشاطات مختلطة أخرى؟ ما المانع؟ تكون مثالاً أيضاً لما نريده لسورية التي نحب. الشعب السوري وثورته وتضحياته يستحق كل الجهود في هذا الاتجاه.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الصين في حرب إيران: كيف تربح دون أن تنتصر؟

  وارف قميحة*   تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط في قلب مرحلةٍ انتقالية في النظام الدولي، وتكشف في الوقت نفسه اختلاف مقاربات القوى ...