يوسف فارس
انتقل التعامل الإسرائيلي مع قطاع غزة من الضربات المحدودة التي يجتهد العدو للبحث عن مبرّر لها – من أجل تقديمه إلى «مركز مراقبة وقف إطلاق النار» في «كريات غات»، إلى اليد المطلقة؛ إذ تحوّل القصف والاغتيالات «الجراحية» المحدودة، بل وحتى المجازر الجماعية، من حدث كان يتكرّر مرة أو مرتين أسبوعياً، قبل اندلاع الحرب مع إيران، إلى سلوك يومي. وأمس، سجّلت وزارة الصحة في القطاع استشهاد 10 مواطنين وإصابة العشرات، في مجزرة مروّعة ارتكبها الطيران المسيّر بمشاركة مجموعات العملاء في مخيم المغازي وسط القطاع.
ووفق شهادات ميدانية، وبيان أصدرته «وحدة مكافحة العملاء في المقاومة» (رادع)، فإن مجموعة من التابعين للعميل شوقي أبو نصيرة، هاجموا عدداً من المنازل المحاذية لـ»الخط الأصفر» شرقي المخيم، وحاولوا اختطاف عدد من المواطنين. ولمّا تصدّى لهم الأهالي وعدد من عناصر المقاومة، وبدأت مواجهة فقدَ فيها العملاء السيطرة على الموقف، قصفت الطائرات المسيّرة كل من يتحرّك في الحيز المكاني المكتظ بالنازحين، فيما أطلقت الرافعات النار بشكل عشوائي تجاه المنازل القريبة لتأمين انسحاب العملاء.
وتضاف هذه الحادثة إلى أربع عمليات اغتيال طاولت ناشطين في المقاومة نفّذتها الطائرات المسيّرة خلال الأيام الثلاثة الماضية. وبحسب مركز «الميزان» لحقوق الإنسان، فإن الخروقات الإسرائيلية تسبّبت، في غضون اليومين الماضيين، باستشهاد 17 مواطناً من بينهم سائق متعاقد يعمل في «منظمة الصحة العالمية»، كانت أطلقت الدبابات الإسرائيلية النار على سيارته في شارع صلاح الدين، ما تسبّب بمقتله، وإصابة كادر أجنبي بجروح متوسطة. ويتقاطع ذلك مع عودة الإطباق الجوي الاستخباري على مناطق القطاع كافة؛ إذ إنه وخلافاً للأسابيع الأولى من بدء الحرب الإقليمية التي غابت فيها الطائرات المسيّرة بشكل شبه كلّي عن سماء القطاع، عادت طائرات الرصد والتجسّس، ومعها الطائرات المسيّرة، لتغطّي أجواءه على مدار الساعة.
أما على الصعيد الإغاثي، فقد تنصّلت إسرائيل من معظم بنود اتفاق وقف إطلاق النار، لا سيما المتعلّقة بدخول 600 شاحنة من البضائع والمساعدات يومياً إلى القطاع. ووفقاً لوزارة الاقتصاد في غزة، فإن أعداد الشاحنات المسموح بدخولها يومياً تراجع بما نسبته 40%. وفي السياق ذاته، حذّر «اتحاد بلديات قطاع غزة» من كارثة وشيكة جراء تفاقم أزمة المحروقات وقطع الغيار. وأكد، في بيان، أن نقص السولار والزيوت وقطع الغيار، تسبّب بخروج معظم آليات البلديات العاملة في جمع النفايات وتشغيل الآبار عن العمل، وهو ما ينذر بكارثة بيئية كبيرة.
ولا تعكس هذه المستجدّات استفراداً إسرائيلياً بالقطاع فقط، وإنما أيضاً رغبة في نسف كلّ ما تمّ التوافق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في تشرين الأول الماضي. وهي ترتبط أيضاً بمستجدات سياسية طرأت مؤخراً؛ إذ أكد مصدر مطلع في حركة «حماس»، لـ»الأخبار»، أن الأسبوع الماضي شهد لقاءات مكثّفة بين قيادة الحركة والمخابرات التركية في أنقرة، تضمّنت نقاشاً حول مستقبل خطة الرئيس دونالد ترامب وموقف الحركة منها، فيما من المقرّر أن تشهد القاهرة اجتماعات مع فصائل المقاومة لمناقشة الدفع بالمرحلة الثانية من خطّة ترامب.
وكانت أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن «مجلس السلام الدولي» أصدر إنذاراً رسمياً وحاسماً لـ»حماس»، يحدّد جدولاً زمنياً صارماً لنزع سلاحها بالكامل وتفكيك بنيتها التحتية العسكرية، بما فيها شبكة الأنفاق، وذلك كشرط أساسي للمضيّ قدماً في خطة الإعمار الشاملة. وبيّنت الصحيفة أن خطة المجلس تتضمّن مساراً زمنياً يبدأ بتسليم الأسلحة الثقيلة والصواريخ وخرائط المواقع العسكرية خلال 90 يوماً، تليها مرحلة ثانية تشمل جمع الأسلحة الخفيفة، توازياً مع برنامج تعويضات مالية مموّل دولياً.
وبحسب مصادر «نيويورك تايمز»، فإن الخطة تلتزم بتمكين إدارة فلسطينية تكنوقراطية جديدة لتولّي شؤون القطاع، مع ربط الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من المراكز الحضرية بمدى الالتزام الفعلي والميداني بجدول نزع السلاح المتّفق عليه تحت إشراف دولي مباشر. كما أشارت المصادر إلى البدء الفعلي في ترتيبات تشكيل «قوة استقرار دولية» بقيادة أميركية، تتولّى الإشراف الأمني لضمان عدم عودة أيّ نشاط عسكري.
تلك المستجدات تحدّث عنها الناطق باسم «كتائب القسام» أبو عبيدة، في خطابه أول من أمس، بالتلميح من دون التصريح، معلناً رفض تسليم السلاح من دون التزام إسرائيلي كامل بكلّ ما تمّ الاتفاق عليه، وفي مقدّمه الانسحاب الكامل من القطاع، علماً أن «مجلس السلام» كان قد قدّم عرضاً تمهيدياً لفصائل المقاومة تحدّث عن المزايا التي تنتظر سكان غزة في حال تمّ التوافق على نزع السلاح. وتضمّن العرض حديثاً عن حرية تدفّق البضائع ورفع القيود المفروضة على السلع ذات الاستخدام المزدوج، وتوفير وحدات سكنية مؤقتة، والعفو عن كلّ من يسلّم سلاحه، وتأمين ممرّ آمن لمن يرغب في المغادرة، إضافة إلى برنامج ضخم لإعادة الإعمار، وانسحاب كامل للجيش الإسرائيلي إلى محيط القطاع، بعد أن يتمّ تأمين غزة بشكل ملائم ضدّ أيّ تهديد قد يعاود الظهور.
وأمام هذه المستجدات، ترى المقاومة في الحرب الإقليمية وما سيترتّب عليها من نتائج، فرصة لإعادة ترتيب الأوراق والأولويات، خصوصاً أن الأطراف الوسيطة، ومن خلفها الإدارة الأميركية، لم تنجح حتى اللحظة في التقدّم نحو تشكيل القوات الدولية، التي يرتبط انتشارها بالبدء بتسليم السلاح. ويأتي ذلك في ظلّ تشكيك متنامٍ في نوايا الاحتلال، وتقدير بإرادته استكمال الإبادة والتهجير في حال فرّطت المقاومة بسلاحها.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
