بقلم: مالك صقور
تمّ الأسبوع الماضي، في جزيرة «أونيس أوير» الإيرلندية، تدشين تمثال «حنظلة»، الذي أنجزته الفنانة الإيرلندية بيلولوكا، وقد أهدت هذا العمل إلى أطفال غزة.
وحنظلة شخصية كاريكاتورية ابتدعها الفنان المناضل الشهيد ناجي العلي، وكانت بمثابة توقيع دائم للوحاته. وحنظلة طفل حافي القدمين، يدير ظهره للعالم ويعقد يديه خلف ظهره. يبلغ من العمر عشر سنوات، وهو العمر الذي كان عليه ناجي العلي عندما هاجر من فلسطين إلى لبنان. ولا يكبر حنظلة، أي لا يتقدّم في السن، وسيبقى في العاشرة ما دام خارج فلسطين. وحين يعود إلى فلسطين يعترف بعمره ويبدأ بالتقدّم في السن.
وفي 22 تموز/يوليو 1987، تم اغتيال ناجي العلي في لندن. لكن ناجي العلي لم يمت، ولن تموت قضيته. وما دام حنظلة الطفل ما زال يجوب الآفاق، ويحمل الحجارة، ويقاتل حتى بأظافره حافي القدمين، فإنه لم يستسلم ولن يستسلم.
والآن، وبعد أربعة عقود على رحيل صاحب حنظلة وصديقه، تقوم فنانة إيرلندية بإقامة تمثال لحنظلة في إحدى جزر إيرلندا.
وهي، بهذا العمل الرائع وبهذا الفعل المقاوم، تجمع في تشييد هذا التمثال ثلاثة أمور:
• تخليد ذكرى ناجي العلي، الفنان المناضل المقاوم.
• رفع مكانة حنظلة بوصفه رمزاً.
• تأكيد استمرار حضور حنظلة، الرمز، بعد عقود من رحيل الفنان الذي أبدعه.
إن حنظلة ليس مجرد شخصية كاريكاتورية؛ فقد أصبح رمزاً للرفض والاحتجاج والنقمة، وشاهداً على الظلم والقهر والاستلاب، أكثر من كونه شخصية مرسومة في لوحة كاريكاتورية.
واليوم، حين ينتصب تمثال حنظلة في إيرلندا، يبدو وكأن الطفل الفلسطيني الصغير قد وجد مكاناً له في ضمير العالم، وفي الوقت نفسه شاهداً على أن الرموز الكبرى، حين يُغتال أصحابها، لا تموت برحيلهم.
إن إقامة تمثال لطفل فلسطيني في بلد أجنبي، وإهداء هذا العمل الفني إلى أطفال غزة، لحدث مهم يستحق التوقف عنده، ولا سيما في هذه الأيام. فهو حدث ذو دلالة سياسية وثقافية ونضالية أيضاً، لأن ناجي نفسه وحنظلة وُلدا وترعرعا في ظل العمل الفدائي.
فحنظلة، الذي وُلد في رسومات ناجي المقاتلة والهادفة والفاضحة للواقع، وفي المخيمات الفلسطينية، أصبح رمزاً عالمياً يُعرف في أماكن بعيدة عن فلسطين وعن العالم العربي كله.
نعم، إنه حدث كبير يستحق الوقوف عنده، ويستحق التأمل أيضاً: كيف استطاع طفل حافي القدمين، يدير ظهره للناس وللعالم كله، أن يتحول إلى أيقونة تتجاوز اللغة والجغرافيا؟
وحنظلة واحد من مجموعة قليلة من الشخصيات الفنية التي انفصلت عن مبدعها، وأصبحت تعيش حياة مستقلة في الوعي الجمعي؛ فكثير من الناس يعرفون حنظلة اليوم، لكنهم قد لا يعرفون تفاصيل حياة ناجي العلي وسيرته الذاتية.
وعقب اغتيال ناجي العلي، كتب محمود درويش مقالة حزينة ومؤثرة، جاء فيها: “لقد ربح ناجي العلي القضية، وخسرنا جميعاً رجلاً استثنائياً”.
فتحية لذكرى ناجي العلي، الفنان الشهيد…
وتحية للفنانة الإيرلندية بيلولوكا، مع الشكر والتقدير والاحترام
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
