تتمتع سوريا برصيد حضاري استثنائي يتمثل في مواقع أثرية وتاريخية مدرجة على قائمة التراث العالمي، تعكس عمقها التاريخي ومكانتها كأحد أبرز مراكز الحضارة الإنسانية التي شهدت تعاقب الثقافات وتفاعلها عبر آلاف السنين.
وتتوزع هذه المواقع على امتداد الجغرافيا السورية لتشكّل شواهد حية تختصر مسيرة الإنسان السوري وإسهاماته في العمران والثقافة، كما تكتسب أهمية خاصة بما تحمله من قيم معمارية وتاريخية وروحية جعلتها جزءاً من الذاكرة الإنسانية المشتركة، وحظيت باعتراف منظمة اليونسكو ضمن الجهود الدولية الرامية إلى حماية التراث وصونه للأجيال القادمة.
دمشق وحلب… مدينتان تختصران ذاكرة المشرق

توضح الدكتورة لينا قطيفان مديرة مديرية مواقع التراث العالمي في المديرية العامة للآثار والمتاحف لمراسلة سانا أن مدينة دمشق القديمة تشكل واحدة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم، وقد سجلت على قائمة التراث العالمي عام 1979، وتعود جذور تأسيسها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، بينما تشير حفريات تل الرماد إلى أن المنطقة كانت مأهولة منذ ما بين 8 و10 آلاف سنة قبل الميلاد، ومنذ نشأتها، احتفظت بمكانتها مركزاً سياسياً وثقافياً واقتصادياً مهماً، مستفيدةً من موقعها عند ملتقى طرق القوافل بين الشرق والغرب وبين أفريقيا وآسيا.
وتبيّن قطيفان أن خصوصية دمشق القديمة تكمن في نسيجها العمراني الكثيف، وفيما تضمه من أسوار وبوابات وأوابد أثرية تمثل مراحل متعددة من الحضارات الآرامية والهلنستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، كما أن كونها عاصمة الدولة الأموية منحها بعداً حضارياً خاصاً، إذ شهدت في تلك المرحلة توسعاً عمرانياً كبيراً، ورسخت سمة المدينة الإسلامية العربية.
وتلفت قطيفان إلى أن دمشق لا تزال المدينة القديمة، داخل الأسوار وخارجها، محافظةً على تماسكها التاريخي، بما يشمل المسجد الأموي والمدارس والخانات والقلعة والمنازل التقليدية.
وتشير قطيفان إلى أن مدينة حلب القديمة، المسجلة على قائمة التراث العالمي عام 1986، تعد نموذجاً فريداً لمدينة تاريخية نشأت على مفترق طرق التجارة منذ الألف الثاني قبل الميلاد، وتعاقبت عليها حضارات متعددة، من الحثيين والآشوريين والأكاديين إلى اليونان والرومان والأمويين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين.
ويبرز في قلب حلب وفقاً لقطيفان الطابع العسكري والدفاعي ممثلاً بقلعتها الشهيرة، التي تعلو المدينة القديمة، وتشهد على تطور العمارة العسكرية العربية، إلى جانب الجامع الكبير والمدارس والحمامات والخانات والأسواق التي تعكس حيوية المدينة ودورها الاقتصادي والثقافي.
وتلفت إلى أن حلب تكتسب أهميتها أيضاً من كونها تمثل مثالاً بارزاً لمدن العصر الأيوبي في القرن الثاني عشر، سواء من خلال تحصيناتها أم عمرانها الديني والمدني، فيما تشكّل أسواقها وخاناتها ومدارسها وأحياؤها القديمة شهادة على التفاعل بين البعد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في المدينة.
تدمر وبصرى… ملتقى الحضارات على طريق القوافل

توضح قطيفان، أن موقع تدمر الأثري، المسجل على قائمة التراث العالمي عام 1980، يبرز بوصفه واحداً من أبرز الشواهد على الامتزاج الحضاري بين الشرق والغرب، فقد ازدهرت تدمر خلال القرنين الأول والثاني الميلاديين كمركز للقوافل التجارية بين بلاد فارس والهند والصين والإمبراطورية الرومانية، ما أتاح لها بناء شخصية حضارية خاصة ظهرت في فنونها وعمارتها.
وتبيّن قطيفان أن الشارع المستقيم، الممتد بطول نحو 1100 متر، يعد من أبرز معالم المدينة، إلى جانب معبد بل، والأغورا، والمسرح، ومخيم دقلديانوس، كما تتميز تدمر بطراز معماري خاص يجمع بين التأثيرات اليونانية والرومانية والتقاليد المحلية، وهو ما يظهر بوضوح في منشآتها ومنحوتاتها الجنائزية وزخارفها المعمارية.
أما موقع بصرى الأثري، الذي سُجل عام 1980 أيضاً، فتؤكد قطيفان أنه يحمل قيمة تاريخية ودينية ومعمارية مهمة، فقد ورد اسمه في رسائل تل العمارنة في القرن ال 14 قبل الميلاد، وكانت العاصمة الشمالية للمملكة النبطية، ثم أصبحت عاصمة للإقليم الروماني العربي عام 106 م، قبل أن تتحول إلى مركز ديني وتجاري مهم في العصر البيزنطي، وأول مدينة بيزنطية تخضع للفتح الإسلامي عام 634 م.
وتضيف قطيفان: إن بصرى تحتضن اليوم بقايا نبطية ورومانية وبيزنطية وإسلامية، من أبرزها المدرج الروماني الشهير المحفوظ بشكل شبه متكامل، وهو من أهم المسارح الرومانية في العالم، إضافة إلى المسجد العمري، ومدرسة مبرك الناقة، وكاتدرائية بصرى، ما جعلها متحفاً مفتوحاً نابضاً بالحياة.
قلاع وقرى أثرية… شواهد على العمارة والحياة السورية
توضح قطيفان أن قلعتي الحصن بحمص وصلاح الدين في اللاذقية، المسجلتين على قائمة التراث العالمي عام 2006، تحضران بوصفهما نموذجين استثنائيين للعمارة العسكرية في الشرق، وتقع القلعتان في موقعين مرتفعين يملكان حصانة طبيعية كبيرة، وشكلتا نقطة تحول في تطور الأنظمة الدفاعية الأوروبية والإسلامية بين القرنين الـ 11 والـ 13 الميلاديين.

وتبيّن أن القلعتين تعكسان تفاعلاً واضحاً بين العمارة البيزنطية والصليبية والإسلامية، بما يجعلهما شاهدتين على تبادل التأثيرات بين الشرق والغرب، حيث تعد قلعة الحصن أفضل مثال قائم لقلاع الفترة الصليبية، بينما تمثل قلعة صلاح الدين مثالاً غير اعتيادي من حيث تقنيات البناء والمناعة وتعدد المراحل التاريخية التي مرت بها، كما أن رمزيتهما الوطنية تعززت بعد اعتماد اسم قلعة صلاح الدين رسمياً عام 1957.
وفي شمال سوريا، تبرز القرى الأثرية، المسجلة عام 2011، حيث تؤكد قطيفان أنها تمثل مشهداً حضارياً فريداً يضم ثمانية تجمعات تحوي نحو 40 قرية في ريفي حلب وإدلب، والتي تحتفظ بآثار استيطان بشري يعود إلى الفترة الممتدة بين القرنين الـ 1 والـ7 الميلاديين، كما تقدم صورة نادرة عن أسلوب حياة المجتمعات الريفية في نهاية العصر الكلاسيكي.
وتشير إلى أن هذه القرى تكتسب أهميتها من حالة الحفظ الاستثنائية التي لا تزال تحتفظ بها أطلالها، بما في ذلك المساكن والمعابد والكنائس والأديرة والقبور، فضلاً عن دلالتها على حضارة زراعية ازدهرت في العالم المسيحي الشرقي، وقدمت مثالاً مهماً على أنماط استثمار الأرض والتنظيم الاجتماعي والعمراني في تلك المرحلة.
جهود الحماية وآفاق التسجيل الجديد
توضح قطيفان أن المديرية العامة للآثار والمتاحف، بالتعاون مع اليونسكو، تعمل على خطة لإخراج المواقع السورية المدرجة على قائمة التراث العالمي من لائحة الخطر منذ عام 2013، عبر تنفيذ إجراءات ترميم وصون وفق معايير محددة، حيث أُعدت ملفات لعدد من المواقع مثل دمشق القديمة وتدمر وبصرى، وهي قيد المراجعة، بالتوازي مع استمرار أعمال التوثيق في مواقع أخرى.
وفي الوقت نفسه، يجري العمل على إدراج مواقع جديدة، منها معلولا وطريق الحج المسيحي، بالتعاون مع “إيكوموس”، فيما تؤكد قطيفان أن هذه الجهود تهدف إلى تعزيز حضور التراث السوري عالمياً وصون هويته الثقافية.
اخبار سورية الوطن 2_سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن
