آخر الأخبار
الرئيسية » إقتصاد و صناعة » النمو العالمي في ثلاثة سيناريوات قاتمة!

النمو العالمي في ثلاثة سيناريوات قاتمة!

 

خلال اجتماعات الربيع لعام 2026، قدّم صندوق النقد الدولي تقييماً أكثر حذراً لمسار الاقتصاد العالمي، بعد خفض توقعاته للنمو نتيجة تداعيات الحرب وتأثيرها المباشر على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والأوضاع المالية العالمية. وأوضح الصندوق أن الاقتصاد العالمي كان يتجه قبل التصعيد الجيوسياسي نحو تعافٍ أقوى قد يدفع النمو إلى نحو 3.4%، مدعوماً بالاستثمار في التكنولوجيا وتحسن الظروف المالية ومكاسب الإنتاجية، إلا أن اندلاع الصراع أوقف هذا الزخم وأعاد تشكيل التوقعات الاقتصادية، مع ارتفاعٍ واضح في المخاطر المرتبطة بالتضخم وتباطؤ النمو.

 

يعتمد السيناريو المرجعي للصندوق على بقاء الصراع محدوداً من حيث الزمن والنطاق، مع ارتفاعٍ معتدل في أسعار الطاقة بنحو 19% خلال عام 2026. وفق هذا الافتراض، يُتوقع أن يسجل الاقتصاد العالمي نمواً يقارب 3.1% في 2026 مقارنةً بنحو 3.3% في تقديرات كانون الثاني/ يناير، قبل أن يرتفع إلى 3.2% في 2027. ورغم أن هذه الأرقام تشير إلى استمرار النمو، إلا أنها تبقى أقل من متوسط النمو خلال عامي 2024 و2025 البالغ 3.4% وأدنى من المتوسط التاريخي البالغ نحو 3.7%، ما يعكس فقدان جزءٍ من الزخم الاقتصادي العالمي. في المقابل، رُفعت توقعات التضخم العالمي إلى 4.4% في 2026 قبل أن يتراجع إلى 3.7% في 2027، في تحولٍ واضح عن المسار النزولي الذي كان متوقعاً سابقاً، ما يعكس أثر صدمة الطاقة على الأسعار وإمكان تأجيل مسار خفض أسعار الفائدة.

 

 

وتشير التقديرات إلى تباطؤٍ في معظم الاقتصادات الكبرى. فقد خُفضت توقعات نمو الولايات المتحدة إلى 2.3% في 2026 و2.1% في 2027، بينما قُلصت تقديرات نمو منطقة اليورو إلى نحو 1.1% و1.2%. ويتوقع أن يسجل الاقتصاد الصيني نمواً عند 4.4% في 2026 و4% في 2027، في حين بقيت تقديرات اليابان عند 0.7% و0.6%. أما المملكة المتحدة فتعد الأكثر تأثراً بين الاقتصادات المتقدمة نتيجة كونها مستورداً صافياً للطاقة، إذ خُفضت توقعات نموها إلى 0.8% في 2026 و1.3% في 2027، مع تقليصٍ أكبر مقارنةً ببقية دول مجموعة السبع، فيما جاءت ألمانيا ضمن الدول المتأثرة أيضاً. في المقابل، ظهرت استثناءات محدودة، إذ رُفعت توقعات نمو الهند إلى 6.5%، كما عُدلت تقديرات روسيا صعوداً إلى 1.1%، ما يعكس تفاوت تأثير صدمة الطاقة بين الاقتصادات.

 

يرى الصندوق أن تداعيات الحرب لا تقتصر على ارتفاع أسعار النفط فحسب، بل تنتقل عبر قنوات عدة. فارتفاع أسعار الطاقة يمثل صدمة عرضٍ سلبية تؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية للأسر، ما يضغط على الاستهلاك والاستثمار. كما قد تتشكل دواماتٍ بين الأجور والأسعار إذا حاولت الشركات والعمال تعويض الخسائر الناتجة من ارتفاع التكاليف. إضافةً إلى ذلك، يؤدي ارتفاع عدم اليقين إلى إعادة تسعير الأصول المالية وارتفاع علاوات المخاطر وخروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، ما يشدد الأوضاع المالية ويضعف الطلب العالمي.

 

في السيناريو السيئ، يفترض الصندوق اضطراباتٍ أعمق في أسواق الطاقة، خصوصاً في حال تعطل الإمدادات أو استمرار التوتر حول مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات الحيوية لتدفقات النفط العالمية. في هذا السيناريو قد يتراجع النمو العالمي إلى نحو 2.5%، بينما يرتفع التضخم إلى 5.4% نتيجة صدمة طاقةٍ أكبر وتشديد الأوضاع المالية. وتنتقل هذه الصدمة عبر ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، إضافةً إلى زيادة الضغوط على ميزانيات الدول المستوردة للطاقة، ما يؤدي إلى تباطؤٍ أوسع في النشاط الاقتصادي العالمي.

 

أما السيناريو القاسي فيفترض استمرار اضطرابات أسواق الطاقة لمدةٍ أطول مع خروج توقعات التضخم عن السيطرة وتشديدٍ ماليّ حاد. في هذه الحالة قد لا يتجاوز النمو العالمي 2% خلال عامي 2026 و2027، بينما يقترب التضخم من 6%، ما يشير إلى دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركودٍ تضخمي. ويعكس هذا السيناريو تأثيراً ممتداً لارتفاع أسعار النفط وتعطل الإمدادات، إلى جانب الضغوط على السياسات النقدية والمالية، بحيث تواجه البنوك المركزية مفاضلةً صعبة بين احتواء التضخم ودعم النمو الاقتصادي.

 

كذلك أشار الصندوق إلى أن الاقتصادات الناشئة والمستوردة للطاقة تواجه ضغوطاً أكبر، مع خفض نموها بنحو 0.3 نقطة مئوية، في حين قد يستفيد بعض الدول المصدرة للطاقة من ارتفاع الأسعار. وقبل اندلاع الحرب كانت البنوك المركزية تقترب من إنهاء دورة التشديد النقدي والانتقال إلى خفض أسعار الفائدة بعد نجاحٍ نسبي في احتواء التضخم، إلا أن صدمة الطاقة أعادت تعقيد هذا المسار. وقد تضطر البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياسةٍ نقدية متشددة لمدة أطول إذا ارتفعت توقعات التضخم، حتى لو كان ذلك على حساب النمو.

 

وحذرت المديرة العامة للصندوق “كريستالينا جورجييفا” من أن الاقتصاد العالمي أصبح أقل قدرةً على امتصاص الصدمات بسبب ارتفاع مستويات الدين وضعف الهوامش المالية. وأشارت إلى أن تدفقات النفط تراجعت بأكثر من 13%، بينما انخفضت شحنات الغاز الطبيعي المسال بنحو 20%، ما ساهم في ارتفاع الأسعار عالمياً وزيادة الضغوط على الدول المستوردة للطاقة. وأضافت أن حتى السيناريو الأكثر تفاؤلاً يشير إلى نموٍ أبطأ وتضخمٍ أعلى، مع بقاء المخاطر مائلة إلى الجانب الهبوطي.

 

كما يواجه الاقتصاد العالمي مخاطر إضافية تشمل ارتفاع العجز المالي والدين العام، وتزايد التوترات الجيوسياسية والنزاعات التجارية، واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالمواد الحيوية. في المقابل، قد تدعم استثمارات الذكاء الاصطناعي والإصلاحات الهيكلية وتخفيف القيود التجارية النشاط الاقتصادي إذا تحولت إلى مكاسبٍ إنتاجية مستدامة. ومع ذلك، تبقى هذه العوامل الإيجابية غير كافيةٍ لتعويض أثر صدمة الطاقة في المدى القريب.

 

وعلى رغم إعلان وقف نارٍ موقت، فإن جزءاً من الأضرار الاقتصادية تحقق بالفعل، ولا تزال حركة الشحن محدودةً عبر مضيق هرمز، ما يثير مخاوف من استمرار اضطراب الإمدادات. ويشير الصندوق إلى أن التعافي بعد النزاعات يكون عادةً بطيئاً وغير متكافئ، إذ قد تصل خسائر الإنتاج التراكمية في البلدان المتضررة إلى نحو 7% خلال خمس سنوات. ويرتبط التعافي بتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي وإعادة بناء الثقة وتوفير التمويل الخارجي في الوقت المناسب.

 

وتشير هذه المعطيات إلى أن مسار الاقتصاد العالمي أصبح مرتبطاً بشكلٍ مباشر بتطورات الحرب واستقرار أسواق الطاقة. فكلما طال أمد التوتر أو ارتفعت أسعار النفط، زادت احتمالات انتقال الاقتصاد العالمي من السيناريو الضعيف إلى السيئ أو القاسي، مع اتساع أثر الصدمة على التضخم والنمو والتجارة العالمية وتدفقات رؤوس الأموال، ما يجعل المرحلة المقبلة حساسةً للغاية لقرارات السياسة النقدية وتطورات الجغرافيا السياسية.

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تطور ملحوظ للصناعات الدوائية في عدرا الصناعية ودعم متزايد للإنتاج والتصدير

تشهد الصناعات الدوائية البشرية في المدينة الصناعية بعدرا في ريف دمشق تطوراً ملحوظاً، مدعوماً بتوسع الاستثمارات وتوافر البنية التحتية، ما يعزز دورها في تأمين احتياجات ...