آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » بين ذاكرة المدن وذاكرة الازقّة ..اللون يعيد كتابة المكان في تجربة سامية صالح

بين ذاكرة المدن وذاكرة الازقّة ..اللون يعيد كتابة المكان في تجربة سامية صالح

 

بقلم:علي نفنوف-الأمارات

 

في مشاركتها ضمن المعرض السنوي لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية المقام في متحف الشارقة للفنون وتحت عنوان ذاكرة المدن تقدّم سامية صالح عملاً لا ينشغل بتعريف المدينة بقدر ما يعمل على تفكيك هذا التعريف من اساسه المكان حتى يظهر كمعطى بصري جاهز وأثر يتشكل من بقايا الذاكرة من تلك الطبقات التي تظل عالقة في الحواس بعد ان يتلاشى الاصل كأننا لا نرى مدينة بل نستعيدها من داخلنا بصورة غير مكتملة حيث اللون يسبق الشكل ويعيد صياغته وفق منطقه الخاص

 

تقوم اللوحة على ازاحة العلاقة التقليدية بين المكان وتمثيله فلا معمار مستقر ولا منظور هندسي واضح بل كتل لونية تتجاور وتتصادم لتنتج فضاء اقرب الى الاسترجاع منه الى الرؤية المباشرة.. الاصفر لا يعمل كسماء انما تم توظيفه كحرارة ذاكرة تمتد فوق المشهد، والبنفسجي ليس ظل انما هو طبقة شعورية كثيفة تتسرب في الارض وتمنحها ثقلا يتجاوز التفسير البصري حتى يعلن الاخضر حضوره ليكسر يقين الجدران ويزعزع ثباتها كأن المكان نفسه يعاد تكوينه في كل لحظة نظر

 

في هذا البناء تكتسب جرأة المساحات اللونية معناها الحقيقي لانها ليست خيارا شكليا بل انحياز الى جوهر الفكرة، الالوان تطرح بصفائها النسبي دون ترويض ما يمنح كل مساحة استقلالها داخل الكل ويجعلها تحمل توترها الخاص.. اللون هنا ليس لزينة المشهد انما يصنعه ويعيد توزيع العلاقات بين عناصره دون الحاجة الى حدود او خطوط فاصلة

 

الشخوص في مقدمة اللوحة كونها عناصر سردية مستقلة و امتداد للكتلة العامة ،الاجساد مختزلة شبه غارقة في عتمتها وكأنها جزء من ذاكرة المكان لا شاهدة عليه حتى المسافة التي تفصلها عن العمق تقرأ كفجوة زمنية يتراجع فيها الحضور الانساني لصالح حضور اللون

 

ورغم هذا التوتر لا تنزلق اللوحة الى الفوضى ثمة توازن دقيق يقوم على التضاد بين الحار والبارد بين الكتلة والفراغ الطريق في منتصف المشهد يعمل كمساحة صمت ضرورية يمنح العين فرصة للعبور واعادة ترتيب ايقاعها هذا الفراغ لا يقل اهمية عن الكتل نفسها وهو يشكل فاصلة بين طبقات الذاكرة بين ما كان وما يتشكل

 

بهذه الجرأة تقترح سامية صالح قراءة اخرى لفكرة ذاكرة المدن ليست المدينة ما نتذكره بل ما يبقى منا ونحن نحاول تذكرها اللون في هذا العمل حيث تعيد التشكيل ومن خلال هذه الجرأة تتحول اللوحة الى مساحة اختبار لعلاقة اكثر تعقيدا بين الفن والذاكرة حيث لا يعود الهدف استعادة المكان وتدويره انما مساءلته واعادة بنائه داخل حقل شعوري مفتوح على احتمالات لا تنتهي

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مكسيم خليل: دولة القانون هي الطريق الوحيد لسوريا القادمة

في لقاء صريح حمل الكثير من الرسائل السياسية والإنسانية، فتح الفنان السوري مكسيم خليل نافذة واسعة على رؤيته لمستقبل سوريا، متناولا قضايا العدالة والمصالحة والذاكرة ...