لمى الحلو
مع توجه الحكومة لإنهاء ظاهرة التسول والتشرد في مدينة حلب عبر افتتاح مراكز للتأهيل والإيواء، طفت إلى السطح مشكلة أخطر وأكثر تعقيداً، تتمثل في استغلال الأطفال وتشغيلهم وتنظيمهم ضمن عصابات، تنفذ أعمال سرقة وسلب وأفعالاً أخرى لا ينبغي أن يرتكبها أي طفل.
وشهدت مدينة حلب مؤخراً العديد من حالات السرقة، تنوعت بين سرقة الحقائب النسائية وصولاً إلى عدادات المياه والمعروضات أمام المحال التجارية، فضلاً عن عمليات النشل وغيرها.
استغلال الأطفال
تُعد ظاهرة استغلال الأطفال من الظواهر الخطيرة، لما تحمله من تهديد مباشر لأجيال يُفترض أن تكون فاعلة في المجتمع. ورغم تعدد أشكال هذا الاستغلال، إلا أن أخطرها اليوم في حلب يتمثل في دفع الأطفال إلى ارتكاب أعمال مخالفة للقانون، ولا سيما أن التشريعات السورية تتعامل مع الأفعال المرتكبة من قبل القاصرين بنهج مخفف، باعتبارهم أحداثاً.
«أصبحنا نخشى حمل الحقائب في أيدينا، خاصة عند دخولنا إلى منطقة سوق التلة في حي الميدان»، تقول السيدة تينا قره بيليان، إحدى القاطنات في الحي، لصحيفة الثورة السورية، واصفة ما تعرضت له مع إحدى قريباتها هناك. وتشير إلى أن أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 12 و16 عاماً يقومون بسرقة حقائب السيدات المسنات، مستغلين الازدحام وعدم قدرة الضحايا على ملاحقتهم.
وتكمل: «اختطفوا الحقيبة من يد قريبتي، فيما تمكنت من الإمساك بحقيبتي في اللحظة الأخيرة، وكان بداخلها هاتفها المحمول ونقودها وهويتها الشخصية. وعند تقديم شكوى لعناصر الأمن، جرى البحث عنهم دون نتيجة، رغم أنهم يتجمعون عادة في مدخل السوق، ويعمد أصحاب المحال إلى طردهم لسمعتهم في السرقة».
ولا يقتصر الأمر على سرقة الحقائب، إذ امتدت هذه الظاهرة لتشمل كل ما خف وزنه وسهل حمله، وفق ما يؤكده محمد حمادة، أحد سكان حي الأنصاري الشرقي، في حديثه لصحيفة الثورة السورية، مشيراً إلى قيام أطفال بالتسلل إلى الأبنية وسرقة كابلات ألواح الطاقة الشمسية من أسطحها.
ويضيف: «هناك حالات لسرقة عدادات المياه وكابلات الأمبير والإنترنت، فضلاً عن زينة السيارات والدراجات النارية، وحتى السجاد الموجود على الشرفات في الطوابق الأولى بات هدفاً لهم».
ويلفت حمادة إلى ضبط أحد الأطفال قبل فترة أثناء قيامه بانتزاع مصابيح درج أحد الأبنية، حيث اعترف بوجود ستة أطفال آخرين يعملون في أحياء مجاورة وبالأسلوب ذاته، ما يشير إلى وجود تنظيم يقف خلف هذه الأفعال، ويوزع الأدوار بما يتناسب مع أعمار الأطفال وقدراتهم.
أدوات للمشغّلين
ترى الباحثة الاجتماعية سمر الحسن، في حديثها لصحيفة الثورة السورية، أن اللوم لا ينبغي أن يقع على الأطفال، إذ إنهم في نهاية المطاف مجرد أدوات يتم استغلالها من قبل مشغّلين، مشيرة إلى أن الأجدى في مثل هذه الحالات هو البحث عن المسؤولين الفعليين الذين يقفون وراء تشغيلهم.
وتوضح أن الأطفال الذين يرتكبون هذه الأفعال لا يعملون بشكل فردي أو عشوائي، بل يجري تشغيلهم ضمن نظام «مياومة»، بحيث يحصل كل طفل على مبلغ محدد لقاء ما يقوم به من أعمال كالتسول أو السرقة.
وتضيف: «في حال ضبط أحد الأطفال، ينبغي اتباع أسلوب تحقيق يهدف إلى كشف الجهة أو الشخص الذي يشغله، ما يتيح الوصول إلى الطرف الذي يجب محاسبته، أما محاسبة طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، فهذا غير مقبول قانوناً ولا عرفاً».
المسؤولية على عاتق القضاء
رغم أن مركز مكافحة التسول يختص بإيواء الأطفال المتسولين والمشردين بعد ضبطهم من قبل الجهات المختصة، وهو إجراء يشمل أيضاً الرجال والنساء، فإن مسؤولية متابعة السرقات التي يرتكبها الأطفال، وأي أعمال أخرى مخالفة للقانون، تبقى من اختصاص القضاء السوري، وفق ما أوضحه محمد عثمان، مشرف محافظة حلب على عمل لجنة مكافحة التسول.
وأكد عثمان، في حديثه لصحيفة الثورة السورية، أن مهمة المركز تقتصر على إيواء المتسولين والمشردين وتقديم الرعاية لهم، وهو دور يختلف تماماً عن ملاحقة الجرائم أو المخالفات التي ترتكبها بعض فئات الأطفال.
الأمر ذاته أكده مدير المكتب الإعلامي في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في حلب، محمد لولة، مشيراً إلى أن متابعة هذه القضايا تقع ضمن اختصاص وزارتي الداخلية والعدل.
وبناء على ذلك، تواصلت صحيفة الثورة السورية مع مدير المكتب الإعلامي في قصر العدل بحلب، أحمد المحمد، الذي بيّن أن هذه الجرائم تدخل ضمن اختصاص محكمة الأحداث، وأن القاضي المختص هو المخوّل بالإجابة عن الاستفسارات المتعلقة بها.
كيف ينظر القانون السوري لجرائم الأطفال؟
يوضح المحامي عمر بدلة أن القضاء السوري يتعامل مع جرائم السرقة التي يرتكبها القاصرون بمنهج إصلاحي لا عقابي، يراعي سن الجاني وظروفه، حيث يُعفى من لم يبلغ السابعة من المسؤولية الجزائية، وتُطبق تدابير إصلاحية كالتوبيخ أو التسليم أو المراقبة على من هم دون الثانية عشرة، في حين تُفرض عقوبات مخففة على الفئة العمرية بين 12 و18 عاماً، مع محاكمتهم أمام محاكم أحداث متخصصة.
ويردف، في حديثه لصحيفة الثورة السورية، أنه حتى في حالات السرقة المشددة، كأن تكون ليلية أو باستخدام السلاح أو ضمن جماعة، وهي جرائم تصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة للبالغين وفق المواد 622-627 من قانون العقوبات، فإن العقوبة تُخفف بالنسبة للقاصر لتصل إلى الحبس لفترات أقل، وقد يُودع في معهد لإصلاح الأحداث.
ويشير بدلة إلى أن الأهم في هذه الحالات هو أنه إذا ثبت ارتكاب القاصر للجريمة تحت تأثير أو إكراه من شخص بالغ، فإن المسؤولية القانونية تقع بالدرجة الأولى على هذا الأخير، باعتباره المشغّل، وهو ما يعد من المبادئ المستقرة في القانون السوري، مؤكداً أن الهدف من هذه المقاربة هو إعادة دمج القاصر في المجتمع عبر اعتماد التدابير التربوية أساساً للمعالجة.
وتلفت الباحثة الاجتماعية سمر الحسن إلى وجود مجموعة من العوامل التي تسهم في تفاقم ظاهرة استغلال الأطفال، في مقدمتها التسرب المدرسي، حيث تشير التقديرات إلى وجود نحو 2 مليون طفل في سوريا خارج المدرسة، ما يجعلهم عرضة لمختلف أشكال الاستغلال.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
