كتب:شادي احمد
وزير المالية السوري أعلن رسمياً أن الحكومة تتوقع إيرادات تقارب 8.7 مليار دولار، وهنا تبدأ الأسئلة الاقتصادية الحقيقية، بعيداً عن اللغة السياسية أو التفاؤل الإعلامي.
السؤال الأول: من أين ستأتي هذه الإيرادات فعلياً؟
لفهم المسألة، يجب تبسيط مفهوم “موارد الموازنة” للمواطن العادي. الدولة لا تخلق الأموال من الفراغ. إيرادات الموازنة تأتي عادة من عدة مصادر أساسية:
الضرائب المباشرة وغير المباشرة.
الجمارك والرسوم.
عائدات النفط والغاز والثروات الطبيعية.
أرباح مؤسسات الدولة.
القروض والمنح أحياناً.
الرسوم على النشاط الاقتصادي والاستيراد والتصدير.
أي أن الموازنة في النهاية هي انعكاس مباشر لحجم الاقتصاد الحقيقي وقدرته على توليد السيولة والإنتاج.
هنا تظهر المفارقة الأساسية.
الحكومة تتحدث عن إيرادات نفطية، بينما سوريا حتى اللحظة ما تزال تستورد النفط والمشتقات النفطية، وتعاني من فجوات تمويلية حادة في قطاع الطاقة.
بل إن التصريحات الرسمية نفسها تحدثت مؤخراً عن عجز شهري يقارب 200 مليون دولار مرتبطاً بملف الطاقة والاستيراد.
اقتصادياً، عندما تكون الدولة مستورداً صافياً للطاقة، فمن الصعب اعتبار النفط مصدراً فورياً كبيراً للإيرادات العامة، إلا إذا كانت الحكومة تتوقع:
استعادة سريعة لحقول إنتاج خارج السيطرة سابقاً.
رفعاً جزئياً أو كاملاً للعقوبات على قطاع الطاقة.
دخول استثمارات ضخمة وفورية في الاستخراج والتكرير والنقل.
لكن حتى لو افترضنا تحقق هذه الشروط، فإن تحويل النفط إلى إيرادات خزينة يحتاج زمناً تشغيلياً واستثمارياً وتقنياً، وليس مجرد إعلان سياسي أو تفاؤل مالي.
السؤال الثاني يتعلق بالضرائب.
هل الاقتصاد السوري الحالي قادر فعلاً على توليد كتلة ضريبية بحجم مليارات الدولارات؟
الضرائب لا تأتي من الفراغ أيضاً. هي نتيجة نشاط اقتصادي منتج:
مصانع تعمل.
شركات تربح.
استهلاك مرتفع.
تجارة نشطة.
دخول مستقرة للمواطنين.
بينما المشهد الاقتصادي الحالي يشير إلى:
انكماش القوة الشرائية.
إغلاق معامل ومنشآت بشكل شبه يومي.
تراجع الطبقة الوسطى.
ضعف الاستهلاك المحلي.
توسع الاقتصاد غير الرسمي.
هروب الرساميل أو تجميدها.
ضعف التمويل والإقراض.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح زيادة الإيرادات الضريبية مسألة شديدة الصعوبة، لأن الاقتصاد نفسه لا ينتج ما يكفي من الفائض.
بل إن الضغط الضريبي الزائد في اقتصاد متعب قد يؤدي إلى نتيجة عكسية:
المزيد من التهرب الضريبي.
انتقال النشاط إلى السوق السوداء.
إغلاق منشآت إضافية.
تقلص القاعدة الضريبية نفسها.
أما النقطة الثالثة فهي الأكثر أهمية منهجياً.
وزير المالية ربط توقعات الإيرادات بـ:
تخفيف العقوبات.
تحسن الاستقرار الأمني.
عودة رؤوس الأموال.
عودة المستثمرين.
لكن اقتصادياً، يجب التفريق بين: “المؤشرات الإيجابية المستقبلية” و “الإيرادات المحققة داخل سنة مالية”.
فإذا جاء مستثمر اليوم وافتتح مشروعاً، فهذا لا يعني تلقائياً أن الخزينة حصلت فوراً على إيرادات ضخمة ضمن موازنة 2026.
الاستثمار يمر بمراحل:
1. تأسيس.
2. استيراد معدات.
3. بناء وتشغيل.
4. الوصول للإنتاج.
5. تحقيق أرباح.
6. ثم تبدأ الضرائب الفعلية الكبيرة بالتدفق.
أي أن أثر الاستثمار على الخزينة غالباً متوسط أو طويل الأجل، وليس فورياً خلال أشهر قليلة.
وبالتالي، فإن إدخال توقعات استثمارية مستقبلية ضمن تقديرات إيرادات حالية يحمل درجة عالية من المخاطرة المالية، خصوصاً في اقتصاد ما يزال هشاً ومتقلباً.
المشكلة هنا ليست في الطموح، بل في الفجوة بين الاقتصاد الحقيقي والأرقام المالية المعلنة.
فعندما تعلن الدولة إيرادات بقيمة 8.7 مليار دولار، فهذا يعني ضمنياً أن الاقتصاد السوري بدأ يستعيد قدرة إنتاجية وضريبية ونفطية ضخمة. بينما المؤشرات الميدانية اليومية حتى الآن لا تعكس تحولاً اقتصادياً بهذا الحجم.
لذلك يمكن القول إن السؤال الحقيقي ليس: “هل يمكن نظرياً الوصول إلى هذه الإيرادات؟”
بل: “هل توجد خلال عام 2026 نفسه أدوات اقتصادية وإنتاجية حقيقية قادرة على توليد هذا الرقم فعلاً داخل الخزينة العامة؟”
وهذا هو التحدي المركزي في الموازنة السورية الجديدة.
(أخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
