آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » بين الحدّين: قراءة في الإشارات الاستراتيجية الكامنة في نص الدكتور جورج جبور

بين الحدّين: قراءة في الإشارات الاستراتيجية الكامنة في نص الدكتور جورج جبور

 

كتب: د. فريد جبور

يقدّم الدكتور جورج جبور، في نصٍّ نشره، قراءةً مكثفة تختصر مرحلةً انتقاليةً دقيقةً من تاريخ الشرق الأوسط، مستخدماً لغةً رمزيةً تتجاوز الحدث المباشر نحو استشراف التحولات العميقة الجارية في بنية النظامين الإقليمي والدولي.

ينطلق النص من حدَّين زمنيين متقابلين: السابع من تشرين الأول 2023 بوصفه لحظة الانفجار الاستراتيجي التي هزّت منظومة الأمن الإسرائيلية وأعادت القضية الفلسطينية إلى قلب المشهد الدولي، والثالث والعشرين من حزيران 2026 بوصفه لحظةً تتكاثف فيها مؤشرات التسويات وإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، يطرح الكاتب سؤالاً جوهرياً يتعلق بمستقبل إسرائيل ومصدر قدرتها على الاستمرار والتأثير: هل تستمد هذه القدرة أساساً من الدعم الأميركي غير المحدود الذي شكّل، تاريخياً، الركيزة الأساسية لمشروعها السياسي والأمني؟ أم أنها باتت تمتلك من عناصر القوة الذاتية ما يسمح لها بفرض معادلاتها الإقليمية بصورة مستقلة نسبياً عن الإرادة الأميركية؟

وعندما ينتقل النص إلى الحديث عن التحركات الأميركية الجديدة، وما يرافقها من أدوار إقليمية لباكستان وقطر وإيران، فإنه لا يتحدث عن وقائع دبلوماسية معزولة، بل يشير إلى عملية أوسع لإعادة هندسة التوازنات في الشرق الأوسط. فالمنطقة تبدو اليوم وكأنها تنتقل تدريجياً من مرحلة إدارة الحروب المفتوحة إلى مرحلة إدارة التسويات المعقدة، حيث تتداخل المصالح الدولية والإقليمية عبر قنوات تفاوض متعددة يصعب حصرها أو الإحاطة بكل تفاصيلها.

ومن هنا تكتسب الإشارة إلى لبنان ومضيق هرمز دلالةً خاصة. فلبنان يمثل إحدى أكثر ساحات الاشتباك حساسيةً في النظام الإقليمي، بينما يمثل هرمز نقطة ارتكاز للاقتصاد العالمي وأحد أهم مفاتيح الأمن الطاقوي الدولي. والربط بين الموقعين يوحي بأن نجاح أو فشل التفاهمات الجارية سوف يُختبر عملياً في هاتين الساحتين تحديداً. لذلك لا تبدو عبارة الكاتب: «وأرجو أن يكون الشرح في لبنان وفي هرمز سلمياً» مجرد أمنية، بل تعبيراً عن إدراك عميق لخطورة اللحظة التاريخية التي تمر بها المنطقة.

أما استحضار رمز «زرقاء اليمامة» في خاتمة النص، فيمنح القراءة بُعداً حضارياً واستشرافياً. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بقراءة الوقائع الراهنة، بل بالقدرة على استشعار التحولات القادمة قبل ظهورها الكامل على السطح. وكأن الكاتب يدعو إلى امتلاك بصيرة استراتيجية ترى ما وراء الأحداث اليومية، وتدرك أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام عملية إعادة تشكيل واسعة قد تطال خرائط النفوذ والتحالفات وأدوار الدول وحدود القوة ذاتها.

وفي المحصلة، لا يقدم النص توقعات حاسمة بقدر ما يلفت الانتباه إلى أن المنطقة دخلت مرحلةً انتقاليةً يتراجع فيها منطق المواجهة الصفرية لمصلحة البحث عن صيغ جديدة للتوازن والتعايش وإدارة المصالح المتعارضة. وهي مرحلة ما تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، لكن الثابت فيها أن لبنان وهرمز سيبقيان من أبرز ساحات اختبار النظام الإقليمي الجديد الذي تتشكل ملامحه تدريجياً أمام أعين الجميع

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ترامب… بين العزل أو الاغتيال السياسي!

  بقلم: باسل علي الخطيب كان ذلك في كانون الأول عام 1998… عدوان جوي أمريكي عنيف على العراق استمر أربعة أيام من الغارات المكثفة. أما ...