آخر الأخبار
الرئيسية » مجتمع » الخيل… حين تركض الحرية كأنها قطعة من الريح

الخيل… حين تركض الحرية كأنها قطعة من الريح

 

بقلم: علي نفنوف

لا أعرف كائناً يشبه الحلم أكثر من الخيل.

كلما رأيت حصاناً يعدو في فضاء مفتوح شعرت أن الحرية وجدت جسداً مؤقتاً لها، وأن الريح قررت أن تُرى بالعين المجردة. فبعض الكائنات تُقاس بأحجامها أو بقوتها أو بمنافعها، أما الخيل فلا تُقاس إلا بالأثر الذي تتركه في النفس. إنها من تلك المخلوقات التي تجعل الإنسان يتوقف عن النظر إليها على أنها حيوان، ويبدأ بتأملها بوصفها فكرة.

وربما لهذا السبب رافقت الخيل الإنسان منذ فجر الحضارات؛ لأنها كانت الأسرع، والأقدر على اختصار المسافات، ومنح الإنسان شعوراً نادراً بالاتساع. فمن فوق ظهرها اتسعت الطرق، وتقاربت المدن، وخفت وطأة المسافات، وكأنها لم تكن تحمل الإنسان فحسب، بل كانت تحمل أحلامه إلى ما وراء الأفق.

ثمة مفارقة تسكن الخيل منذ الأزل؛ فهي مخلوق وُلد للقوة، لكنه لم يفقد رقته. تستطيع أن تقتحم ضجيج المعارك، ثم تنصت إلى لمسة يد حانية. تمتلك عضلات المحارب وقلب الشاعر في آن واحد. ولذلك أحبها الملوك والفرسان والشعراء والفلاسفة، لأن كلاً منهم رأى فيها شيئاً من نفسه.

ولعل أجمل ما في الخيل أنها لا تمارس استعراض القوة. فالأسد يعرف أنه ملك الغابة، والصقر يعرف أنه سيد السماء، أما الحصان فيبدو وكأنه يجهل عظمته. يركض بكامل جماله دون ادعاء، ويقف بكامل هيبته دون أن يطلب الإعجاب. لذلك تبدو الخيل، في نظري، إحدى أندر صور التواضع النبيل.

ومنذ أن بدأ الإنسان يدوّن تاريخه، كان صهيل الخيل حاضراً في هوامش الأحداث الكبرى. من سهول آسيا الوسطى إلى عربات الفراعنة، ومن جيوش الإغريق والرومان إلى الفتوحات العربية والإسلامية، ظلت الخيل شاهدة على انتقال الحضارات وصعود الإمبراطوريات وسقوطها.

ولم تكن الخيل مجرد وسيلة للنقل أو للحرب، بل كانت شريكاً في صناعة التاريخ. فكثير من القادة الذين حفظت كتب التاريخ أسماءهم ما كانوا ليصلوا إلى ما وصلوا إليه لولا تلك الكائنات النبيلة التي قطعت الصحارى والجبال والأنهار، حاملة أصحابها نحو المجد أو نحو المصير.

وقد منح العرب الخيل منزلة استثنائية. فلم يحفظوا أنسابها عبثاً، ولم ينسجوا حولها كل ذلك الشعر مصادفة. كانوا يرون فيها عنواناً للمروءة والعزة والكرامة، لذلك ارتبطت الفروسية لديهم بالأخلاق قبل ارتباطها بالسلاح. وكان الفارس يُعرف من فرسه، كما يُعرف الفرس من فارسه.

وفي القرآن الكريم تتجلى صورة الخيل في واحدة من أكثر الصور رهبة وجمالاً، في قوله تعالى:

“وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ۝ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ۝ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا”

وكأن النص القرآني لا يصف حركة الخيل فحسب، بل يرسم لوحة كاملة للسرعة والشجاعة والوفاء. كما جاء في الحديث الشريف:

“الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة”.

ولم يكن هذا الحضور الديني منفصلاً عن حضورها في الوجدان العربي، بل كان امتداداً له.

ومن أشهر الخيول التي خلدها التاريخ: السكب، فرس النبي محمد ﷺ، وبوسيفالوس، الحصان الأسطوري الذي رافق الإسكندر الأكبر في فتوحاته، ومارينغو، حصان نابليون بونابرت، وكومانشي الذي تحول إلى رمز تاريخي في الولايات المتحدة.

ولعل قصة بوسيفالوس من أكثر قصص الخيل إنسانية وإدهاشاً. فقد كان حصاناً عجز الفرسان عن ترويضه، حتى لاحظ الفتى الإسكندر أنه يخاف من ظله. فأدار رأسه نحو الشمس، وربت على عنقه، ثم امتطاه. ومنذ تلك اللحظة بدأت واحدة من أشهر الصداقات بين إنسان وحصان في التاريخ. وعندما مات بوسيفالوس بعد سنوات طويلة من الحروب، حزن عليه الإسكندر وأطلق اسمه على مدينة كاملة تخليداً لذكراه.

أما العرب فقد خلدوا خيولهم بالشعر كما خلدوا فرسانهم. ويكفي أن نتذكر قول امرئ القيس:

“مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ معاً
كجُلمودِ صخرٍ حطَّه السيلُ من علِ”

حيث تتحول الخيل إلى قوة طبيعية جارفة.

ثم يأتي المتنبي ليجعلها شريكاً في المجد حين يقول:

«الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ»

ويقول أيضاً:

“أعزُّ مكانٍ في الدنى سرجُ سابحٍ
وخيرُ جليسٍ في الزمان كتابُ”

فكأن السرج عنده عرش الفارس، وكأن الحصان جناح الإنسان الأرضي.

ولم يتوقف حضور الخيل عند الشعر، فقد انشغل بها الفنانون عبر القرون. رسمها ليوناردو دافنشي في دراساته الشهيرة، وخصص لها الرسام الإنجليزي جورج ستابس عشرات الأعمال التي جعلت منه أحد أعظم رسامي الخيول في التاريخ الأوروبي، كما جعلها تيودور جيريكو وإدغار ديغا بطلة للعديد من لوحاتهم.

أما الفلاسفة، فقد رأوا فيها أكثر من مجرد حيوان. فشبّه أفلاطون النفس البشرية بعربة تجرها الخيول، أحدها يمثل العقل والآخر يمثل الرغبات، بينما ارتبط اسم نيتشه بحادثة مؤثرة عندما شاهد حصاناً يُجلد في أحد شوارع تورينو، فاحتضنه باكياً في مشهد ظل حاضراً في كتب الفلسفة والسير.

ولعل سر الخيل لا يكمن في جمالها وحده، فهناك حيوانات جميلة كثيرة، ولا في قوتها وحدها، فهناك مخلوقات أشد بأساً منها. إنما يكمن السر في تلك العلاقة الغامضة التي نشأت بينها وبين الإنسان؛ علاقة جعلت الملوك يبكون عند موت خيولهم، والشعراء يكتبون عنها كما يكتبون عن الأحبة، والفنانين يلاحقون صورتها جيلاً بعد جيل.

ولهذا بقيت الخيل أكبر من مجرد حيوان نبيل. إنها ذاكرة تعدو، وقصيدة كتبتها الطبيعة بلغة العضلات والضوء والريح. وكلما دوّى صهيلها في مكان ما، شعرت البشرية أن شيئاً قديماً يستيقظ في أعماقها؛ شيئاً يشبه الحرية الأولى، والشجاعة الأولى، والحلم الأول بالوصول إلى الأفق.

الخيل في الأعراس والتراث الشعبي

في كثير من مناطق الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، كانت العروس تُزف أحياناً على فرس مزينة بالأقمشة الملونة والحلي والشراريب، بينما يسير حولها الرجال والنساء بالأهازيج والزغاريد. وكان الحصان الأبيض يُعد رمزاً للنبل والطهارة والفأل الحسن.

وكان أهل البادية يفاخرون بخيولهم في الأعراس، حتى إن بعض الفرسان كانوا يرافقون موكب العروس باستعراضات فروسية مبهرة، وكأنهم يعلنون أن هذه المرأة تدخل بيتاً يحميه الفرسان.

وتروي بعض الروايات الشعبية أن العروس كانت تُركب على فرس أبيض ليلة الزفاف، فإذا بقي الحصان هادئاً طوال الطريق عُدّ ذلك بشارة خير للحياة الزوجية، أما إذا نفر أو تعثر فقد يراه الناس نذيراً يستوجب الدعاء وطلب البركة. لذلك كان يُختار للحفل أكثر الخيول هدوءاً وأصالة.

ولم تكن هذه العادة عربية فقط؛ ففي مناطق من الأناضول وآسيا الوسطى والقوقاز كانت العروس تُنقل إلى بيت العريس على ظهر حصان أو في عربة تجرها الخيول، وتُغطى الخيول بالأقمشة الحمراء أو المطرزة، ويُقام موكب احتفالي طويل يرافق العروس إلى منزلها الجديد.

ومن المفارقات التاريخية الجميلة أن العريس كان في معظم التقاليد القديمة يأتي على حصان لأخذ العروس، كما في مواكب الزواج الهندية المعروفة، ثم يعود بها إلى بيته وسط الاحتفال والموسيقى. وفي بعض المجتمعات النادرة كانت العروس نفسها تمتطي الحصان وتقود الموكب إلى بيت العريس، في دلالة على مكانتها وقوة حضورها.

الخيل في قصور الملوك

كان بعض الملوك يخصصون إسطبلات فاخرة تفوق في جمالها بيوت كثير من الناس. وكانت الخيول الأصيلة تُفرش لها الأرض بالرمل النظيف أو القش الجيد، وتُغذى على أجود أنواع الشعير والتمر والبرسيم.

كما كان الخلفاء والأمراء العرب يرسلون الأطباء البيطريين لمتابعة خيولهم، ويحفظون أنسابها كما تحفظ أنساب القبائل.

وتروي المصادر أن بعض القادة كانوا يمنحون خيولهم الراحة لأشهر بعد الحملات العسكرية الطويلة، ويمنعون استخدامها في أي عمل شاق تقديراً لما قدمته من جهد ووفاء.

وفي العصر الإسلامي كانت الخيول العربية الأصيلة تُشترى بأثمان باهظة، وكان بعض الخلفاء يمنحون أصحاب الخيل النادرة أراضي أو أكياساً من الذهب مقابل فرس متميز. ويُذكر أن هارون الرشيد كان يملك أعداداً كبيرة من الخيول ويوليها عناية خاصة.

الأسماء… النسب والأصالة

من أشهر سلالات الخيل العربية: الكحيلان، والصقلاوي، والعبيان، والحمداني، والمعنقي، والشويمان، والهدبان.

كما اشتهرت أسماء خيول عربية وتاريخية عديدة، منها: السكب، والمرتجز، واللحيف، والورد، واللزاز، والطرف، والمراوح، والبحر، والظرب، والأدهم، واليعسوب، والشقراء، والجون، والصموت.

وأطلق العرب على الخيل أوصافاً كثيرة، مثل: الجواد، والعتيق، والصافن، والمطهم، والسابق، والأدهم، والأشقر، والكميت، والأشهب، والأبلق، والأغر، والمحجل، وهي تسميات تصف أصالة الخيل أو ألوانها أو صفاتها.

أما عالمياً، فقد خلد التاريخ أسماء خيول شهيرة مثل: بوسيفالوس، ومارينغو، وكوبنهاغن، وكومانشي، وسيكريتاريات، ومان أوف وور، لتبقى الخيول، بأسمائها وألقابها، رمزاً للقوة والوفاء والفروسية في مختلف الحضارات.

أخيراً…

لهذا نحب الخيل؛ لأنها تختصر في حضورها كثيراً مما نبحث عنه في أنفسنا: الحرية، والكبرياء، والوفاء، والقوة التي لا تتخلى عن رقتها. نحبها لأنها تحمل في صهيلها صدى التاريخ، وفي عينيها سكينة البراري، وفي اندفاعها شغف الحياة نفسها.. ولهذا بقيت الخيل، على مر العصور، أكثر من حيوان نبيل؛ بقيت رمزاً إنسانياً خالداً يوقظ فينا الحلم كلما مرت أمامنا كأنها قطعة من الريح

 

 

 

 

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

في اليوم العالمي للاجئين.. العالم يواجه تحديات ‏نزوح كبيرة وسوريا تسجل عودة متزايدة لأبنائها

‏   يحلّ اليوم العالمي للاجئين في العشرين من حزيران ‏من كل عام، مناسبة أممية لتسليط الضوء على ‏أوضاع ملايين الأشخاص الذين أجبرتهم الحروب ‏والنزاعات ...