بقلم:مالك صقور
قد يبدو من البساطة، وربما من السذاجة، طرح هذا السؤال في هذه الأيام؛ فقد سألت قبل ذلك: البشرية إلى أين؟ ثم عن غياب العقل، ثم عن المعرفة والبوصلة! أما: من ينقذ العالم؟ أو من سينقذ البشرية؟ فهذا السؤال موجّه إلى الفلاسفة والعلماء ورجال الدين والمؤرخين والأدباء، من كتّاب وشعراء.
أقول: من السذاجة طرح مثل هذا السؤال؛ لأن هذا السؤال رافق الإنسان منذ آلاف السنين، ولم يجد جواباً، لأن السؤال يمسّ جوهر الإنسان نفسه.
فلو نظرنا إلى التراث الإنساني، لوجدنا أن كل حضارة قد أمسكت بطرف من خيط الحقيقة:
* سقراط يرى أن الحياة لا تخضع للتأمل والبحث من دون جدوى، وأن الخير الوحيد في العالم هو المعرفة، والشر الوحيد هو الجهل.
* أفلاطون يرى أن إنقاذ البشرية وإصلاح الحياة يكونان بإنهاء الجهل وسيادة الحكمة.
* أرسطو يرى أن السعادة هي غاية البشرية وهدفها الحقيقي، وأنها تقوم على الفضيلة والاعتدال والتوازن.
* الفلسفة قالت: ينقذ العالم «حب الحكمة»، لأن الجهل أصل كثير من الشرور.
* ابن رشد يرى أن إنقاذ البشرية وإصلاح العالم لا يتحققان إلا بالعودة إلى العقل والواقع، ونبذ الجهل والتعصب.
* الديانات قالت: ينقذ العالم «المحبة والرحمة والعدل»، فالمعرفة بلا أخلاق تتحول إلى أداة للظلم.
* دوستويفسكي قال: «الجمال سينقذ العالم». لكن الجمال عنده لم يكن مجرد جمال الوجوه أو اللوحات، بل جمال الروح والصدق والرحمة.
* كونفوشيوس رأى أن إصلاح المجتمع يبدأ بإصلاح الإنسان، ثم الأسرة، ثم الدولة.
* زرادشت رفع شعار: الفكر الطيب، والقول الطيب، والعمل الطيب.
* بوذا جعل الخلاص في التحرر من الطمع والكراهية والوهم.
* غوته يقول إن إنقاذ العالم يبدأ من عتبة بيتك؛ أي إن إنقاذ العالم يبدأ بإصلاح الفرد لنفسه، والعمل الدؤوب في الحاضر.
* سرفانتس يقول، على لسان دون كيشوت، إن تغيير العالم ليس جنوناً ولا يوتوبيا، بل هو واجب وطبيعة بشرية.
* ماركس يقول: ليست مهمة الفلسفة تفسير العالم، بل تغييره. وتغيير الواقع لا يحدث بالأفكار وحدها، بل بالعمل والصراع الطبقي ضد الاستغلال الرأسمالي.
* ويرى سهيل فرح وفؤاد ماميدوف أن «الثقافة تنقذ العالم».
أما في العصر الراهن، فيُطرح العلم والمعرفة بوصفهما من أهم أدوات إنقاذ البشرية. ولا شك في أن العلم أنقذ ملايين البشر من الأمراض، وحسّن شروط الحياة، وفتح أمام الإنسان آفاقاً واسعة من المعرفة والتقدم. لكنه، في الوقت نفسه، صنع القنبلة النووية والأسلحة الفتاكة.
لذلك، فالعلم وحده لا يكفي.
ولهذا يمكن القول إن العقل، والثقافة، والوعي، والمحبة، والعلم يفترض أن تكون عناصر متكاملة؛ فالعلم يمنحنا القوة، والعقل يُحسن استخدامها، والثقافة توسّع الآفاق، والوعي يكشف التضليل، والمحبة تمنع القوة من أن تتحول إلى عنف وبطش.
وهنا يجب القول: لعل المشكلة الكبرى ليست في نقص المعرفة، بل في الفجوة بين المعرفة والحكمة.
فعلى سبيل المثال، نحن نعيش في عصر يستطيع فيه المرء أن يعرف خلال دقائق ما كان الناس في السابق يحتاجون إلى شهور وسنوات حتى يعرفوه. وفي الوقت نفسه، لا يزال الإنسان يعجز عن إيقاف الحروب، والقضاء على البغض والكراهية والعصبية والتعصب.
ولهذا، فالعالم لا ينقذه عنصر واحد، بل يبدأ إنقاذه عندما يلتقي العلم بالحكمة، والقوة بالأخلاق، والحرية بالمسؤولية، والمعرفة بالمحبة.
عندئذ يصبح الإنسان، لا التكنولوجيا ولا التقانات ولا كل أنواع الأسلحة، مركز الحضارة وجوهرها.
ولعل من الأفضل، أو الأدق، أن نقول:
كيف نصنع أو نخلق إنساناً لا يحتاج العالم إلى من ينقذه منه؟!
بدلاً من أن نسأل:
من سينقذ العالم
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

