آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » باحثٌ عن تاريخِ ما بقي حيًّا (6) سورية… كيف تنهض حضارةٌ من سِنِيها العجاف

باحثٌ عن تاريخِ ما بقي حيًّا (6) سورية… كيف تنهض حضارةٌ من سِنِيها العجاف

المهندس محمود محمد صقر

 

 

 

سورية لم تولد يوم رُسمت حدودها، ولم تبدأ حكايتها حين رُفعت رايتها؛ فهي أقدم من خرائط السياسة.

وعمقها الحضاري ليس ماضيًا نتغنّى به، بل مسؤوليةٌ تقول ما ينبغي أن نكونه: صلةً بين المتوسط والرافدين والأناضول والعمق العربي، لا ساحةً تتصارع فوقها مشروعات الآخرين.

ولأن سورية لم تكن يومًا هامشًا، حضرت دائمًا في حسابات العالم.

لكن مأساتها بدأت حين بقيت حاضرةً في خرائط العواصم، وغاب قرارها عن دمشق؛ فصار لكل دولة جوابٌ عنّا، وضعف الجواب الذي نصنعه لأنفسنا.

وقد قلنا في الحلقة السابقة إن المؤسسة هي جهاز المناعة الحضاري؛ وحين تضعف، يتحول الموقع إلى ساحة، والعلاقة بالخارج إلى بابٍ للنفوذ.

لذلك لا نحتاج إلى من يخبرنا ماذا نريد من العالم: نريد جوارًا يحترم سيادتنا، وعالمًا يعاملنا شريكًا، وعلاقاتٍ تمتد من قرارنا ولا تحلّ محلّه.

فالسؤال لم يكن يومًا:

أين تقع سورية؟

بل:

أين يقع القرار السوري؟

والدولة الجديدة لا تُبنى على الحنين، ولا على الانتقام، بل على تحويل العلاقات الموروثة إلى علاقات تقررها المصلحة الوطنية.

ومن هنا يمكن أن نقرأ مذكرة التفاهم بين سورية وروسيا، لا بوصفها خبرًا عن قاعدتين، بل بوصفها اختبارًا لطريقة جديدة في إدارة العلاقة.

ولا تكمن أهمية الخطوة في بقاء روسيا أو رحيلها، بل في السؤال الذي تعيده إلى مكانه الصحيح:

مَن يحدد شكل العلاقة؟ ومَن يملك القرار؟

فإذا بقي القرار سوريًا، أمكن للعلاقة أن تستمر وتتغير؛ أما إذا امتلكت العلاقة القرار، عادت التبعية ولو تغيرت أسماء الاتفاقيات.

وهذا المعنى لا يخص روسيا وحدها؛ فعلاقة سورية بأي دولة لم تعد ملكًا لنظام أو طائفة أو محور، وإنما علاقة دولة بدولة تحددها المصلحة الوطنية.

وحماية أي مكوّن سوري لا تأتي من قاعدة أجنبية أو ارتباط بدولة خارجية، بل من دولة سورية عادلة ودستور يحمي الجميع.

فحين يبحث مكوّن عن أمنه خارج الدولة، وآخر عن قوته خارجها، تصبح البلاد أبوابًا يدخل منها الآخرون، بدل أن تكون بيتًا واحدًا يحميه قانون واحد.

والدولة الإنسانية لا تطلب من الناس أن ينسوا مخاوفهم، لكنها لا تسمح بتحويل الخوف إلى استقواء بالخارج أو أداة لبث الفتنة في الداخل.

إنها تطمئن الخائف، وتحاور المتحفّظ، وتحاسب المحرّض بالقانون.

وبذلك تتحول المخاوف إلى ضمانات، والمظلومية إلى عدالة، والتنوع إلى قوة، وذاكرة الصراع إلى معرفة تمنع تكراره.

لكن حماية القرار لا تتحقق بعلاقة واحدة، مهما كانت قوية.

فسورية تقع بين مصالح روسية وعربية وتركية وأميركية وأوروبية، كما تتعرض لضغوط من إيران وإسرائيل.

وقد تتيح العلاقة مع روسيا مجالًا للحد من بعض هذه الضغوط، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلًا من الدولة أو وصايةً عليها.

فلا نعالج نفوذًا بنفوذ، ولا نستبدل تبعيةً بتبعية.

بل تستخدم سورية علاقاتها المختلفة لبناء شبكة من المصالح تمنع أي دولة من الاستفراد بها، وتقلّص قدرة أي طرف على تحويل أراضيها إلى ساحة نفوذ أو ميدان لتصفية الحسابات.

وهنا يظهر الفرق بين الدولة التي تستخدم علاقاتها، والدولة التي تستخدمها علاقاتها.

الأولى تعرف ماذا تريد من العالم.

والثانية تنتظر أن يخبرها العالم بما يريده منها.

ولا يصنع هذا القرارَ ذكاءُ شخص، مهما بلغت خبرته، بل تصنعه الحكمة المؤسسية: حين تجتمع السياسة والأمن والاقتصاد والقانون والتاريخ في صناعة القرار.

ولهذا لا يكون السؤال:

مع مَن وقّعنا؟

بل:

ماذا حقق التوقيع لسورية؟ وماذا أعاد إلى مؤسساتها؟ وماذا حفظ من قرارها؟

ويبقى التنفيذ هو الامتحان.

فإن لم تُترجم المذكرة إلى إدارة سورية فعلية، وإلى علاقة واضحة تخضع للمراجعة والمصلحة الوطنية، بقيت نصًا جيدًا على الورق.

فالسيادة ليست ما نعلنه، بل ما تستطيع مؤسساتنا تنفيذه وحمايته وتصحيحه.

وقد قلنا في الحلقة السابقة إن القاتل يدخل من الباب الذي لم نُصلحه.

واليوم نقول:

إن التدخل الخارجي يدخل من الباب نفسه، حين تضعف المؤسسة ويضطرب القرار.

وسورية الجديدة لا تحتاج إلى محور يحملها، بل إلى قرار وطني يحمل علاقاتها كلها.

وحين تصبح المؤسسة هي العقل، والمواطنة هي الحماية، والمصلحة الوطنية هي أساس كل علاقة، لا نكون قد أغلقنا الباب في وجه العالم، بل نكون قد أصلحناه، وأمسكنا نحن بمفتاحه
(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الحال من بعضه..!

    اللاذقية-د. سحر أحمد علي   وقفتْ متثاقلةً تستند إلى جدارٍ وقد خارت قواها، وانزلقت أرجلها فلم تعد تقوى على الثبات في مكانها.   ...