آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » الحال من بعضه..!

الحال من بعضه..!

 

 

اللاذقية-د. سحر أحمد علي

 

وقفتْ متثاقلةً تستند إلى جدارٍ وقد خارت قواها، وانزلقت أرجلها فلم تعد تقوى على الثبات في مكانها.

 

وبعد جهدٍ جهيد ومحاولاتٍ كثيرة، استطاعت أن تستقر قليلًا لتلتقط أنفاسها بعد عناء ليلةٍ طويلة. وما إن أغمضت عينيها حتى انتبهت إلى صوت زميلةٍ لها تقول:

 

– إذًا أنتِ تعانين مثلي ومثل البقية؟!

 

فردّت عليها:

– وبماذا تشعرين؟

 

قالت:

– أشعر أن حركتي أصبحت بطيئة، بل إن الدوار والارتخاء لا يفارقاني.

 

أجابتها:

– وكأنك تصفين معاناتي تمامًا… فالحال من بعضه!

 

ثم أردفت متسائلة:

– ولكن، تُرى… أهذا بسبب سوء الامتصاص، أم إن نوعية طعامنا قد تغيرت وأصبحت أسوأ؟

 

قالت الأخرى:

– نعم… نعم، إنه الاحتمال الأخير يا صديقتي. لقد ذهبت إلى الحكيمة، ففوجئت بأنها هي الأخرى تعاني مما نعانيه. طلبت مني إجراء بعض التحاليل، وكانت النتائج متشابهة مع نتائج معظم زميلاتنا، وثبت أن غذاءنا لم يعد بجودة أيام زمان.

 

فالبشر اليوم يعانون فقر الدم، وضعف المناعة، وسوء التغذية.

 

عندها اتسعت عينا البعوضة دهشةً وقالت:

– ألهذا أصبح حالنا هكذا؟! كنت أحدث نفسي أنني لم أعد أتلذذ بالدم الذي أمتصه! وحتى الإنسان الذي أستهدفه لغذائي لم يعد يكترث بوجودي، ولا يشعر بوخزة إبرتي، وكأنه فقد الإحساس!

 

قالت الأخرى:

– حقًا، إن الوضع خطير، وعلينا أن نفعل شيئًا قبل أن نموت مع البشر!

 

وأضافت البعوضة وهي تهز جناحيها بحسرة:

– كنا نظن أن خطرنا على الإنسان أكبر من خطره على نفسه، فإذا بنا نكتشف أنه يسبقنا إلى إضعاف جسده بيده؛ طعامٌ يفتقر إلى القيمة الغذائية، وحياةٌ يغلب عليها الكسل، وضغوطٌ لا تنتهي.

 

ابتسمت الأخرى ابتسامةً باهتة وقالت:

– ما أشد المفارقة! كنا نُضرَب الأمثال في امتصاص الدم، فإذا بالبشر قد استنزفتهم عاداتهم قبل أن نصل إليهم.

 

ساد الصمت بينهما لحظات، ثم قالت الأولى:

– يبدو أن معركتنا لم تعد مع الإنسان، بل مع ما صنعه الإنسان بنفسه. فإذا استعاد غذاءه الصحيح، وقوّى صحته، واستعاد عافيته، عدنا نحن إلى معاناتنا القديمة!

 

وهكذا، لم تعد شكوى البعوضة مجرد طرفة ساخرة، بل مرآة تعكس واقعًا مؤلمًا؛ فإذا كان حتى مصاص الدماء يشكو من رداءة الدم، فذلك إنذار بأن الخلل لم يعد في الطبيعة، بل في أسلوب حياة الإنسان. فالصحة لا تُبنى بالدواء وحده، وإنما تبدأ من غذاءٍ متوازن، ووعيٍ سليم، واحترامٍ للجسد الذي أودعه الله أمانةً بين أيدينا

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الليرة السورية… بين ذكريات القوة وتحديات الإصلاح النقدي 

  عبد اللطيف عباس شعبان   لم تكن الليرة السورية مجرد وسيلة للتبادل، بل كانت لعقود طويلة عنوانًا للاستقرار الاقتصادي وقوة الشراء. وما أشاهده اليوم ...