بقلم: المهندس محمود محمد صقر
إذا عرفنا القاتل، فهل يكفي أن نلعنه، أم يجب أن نُصلح الباب الذي دخل منه؟
هنا يبدأ الحديث عن إصلاح المؤسسات.
وكيف تستعيد المؤسسات روحها؟
لا بوصفها مباني أو قوانين، بل بوصفها جهاز المناعة الحضاري.
فالحضارات لا تموت لأن القتلة أقوياء، بل لأنها تفقد قدرتها على مقاومة القاتل. وتلك القدرة اسمها: المؤسسة.
ما إن أغلقتُ صفحات التاريخ حتى أدركت أن القاتل لم يكن يعيش في الماضي وحده؛ فهو لا يزال يبحث، في كل زمان، عن الفكرة التي يفسدها، والمؤسسة التي يضعفها، والقانون الذي يعطله، حتى يبدأ منها السقوط من جديد.
ولا يكفي أن نعرف القاتل؛ فالحضارة تبدأ يوم تبني مؤسسات تمنعه من أن يقتل مرةً أخرى.
وقد تبقى المؤسسات قائمة، وتموت فيها قيمة المؤسسة.
فالفساد لا يعني أن المبنى اختفى، بل أن المنهج الذي يعمل به المبنى قد اختل.
والمؤسسات لا تنهار يوم تُغلق أبوابها، بل يوم تصبح قادرةً على التعايش مع الفساد.
ولا تموت المؤسسة حين يغيب موظف صالح، بل حين يصبح الموظف الصالح هو الاستثناء.
وهنا يظهر السؤال الذي يغيب عن كثير من محاولات الإصلاح:
هل تحتاج المؤسسات إلى مزيد من المديرين، أم إلى مزيد من الحكمة؟
فالقرار لا يصنعه ذكاءُ فرد، مهما بلغت خبرته، بل يصنعه حوارُ التخصصات، والبيانات، والتجارب، والمراجعة، والمساءلة.
وليست كل مؤسسة بحاجة إلى وزارة جديدة، بقدر حاجتها إلى حكمة مؤسسية؛ تلتقي فيها الخبرات المختلفة، لا لتسلب الإدارة مسؤوليتها، بل لتمنح القرار أفقًا أوسع من أفق الفرد.
وقد تمتلك الدولة وزارةً للتخطيط، وخططًا مكتوبةً بعناية، لكنها تظل عاجزة إذا بقي التخطيط منفصلًا عن القرار، والقرار منفصلًا عن التنفيذ.
فالخطة التي تبقى على الرف لا تبني وطنًا، والقرار الذي لا يستند إلى خطة لا يصنع مستقبلًا.
إن المؤسسات لا تُدار بالسلطة وحدها، بل بالحكمة المنظمة.
والحكمة لا تكمن في وجود حكماء، بل في بناء مؤسسة تجعل الحكمة جزءًا من كل قرار، وتجعل مراجعة القرار فضيلةً لا تهمة، وتصحيح الخطأ قوةً لا ضعفًا.
ولعلنا هنا نعود إلى ما كشفته لنا الحضارات في رحلتنا السابقة؛ فقد علمتنا سبأ أن الحضارة تموت في الفكرة قبل أن تموت في الحجر، وعلمتنا مصر أن الميراث الذي لا يتجدد يتحول إلى عبء، وأخبرتنا آشور أن الوسائل إذا تحولت إلى غايات بدأت الحضارة تأكل نفسها، وحذرتنا اليونان من عقلٍ ينفصل عن الحكمة، وروت لنا روما كيف تضيع الرسالة حين تتحول القوة إلى غاية، وأدركنا أن الرسالات لا تُضعفها مبادئها، وإنما يضعفها توظيفها لخدمة الأهواء.
لكن تلك القوانين كلها كانت تصف المرض، أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو:
كيف نمنع المرض من أن يعود؟
الإجابة ليست في كثرة القوانين، ولا في إنشاء مؤسسات جديدة، بل في أن تصبح المؤسسة نفسها قادرةً على تصحيح أخطائها، والتعلم من تجاربها، وتجديد مناهجها.
فالمعاني، مهما سمت، لا تنهض بالأمم وهي شعارات، ولا تتحول إلى حضارة وهي أمنيات، وإنما تبدأ رحلتها حين تصبح منهجًا، ثم مؤسسات، ثم قرارات، ثم عملًا يتراكم حتى يصنع المستقبل.
فالحضارة ليست ما نبنيه من حجارة، ولا ما نكتبه من خطط، بل ما نغرسه في مؤسساتنا من قدرةٍ على أن تتعلم، وأن تُصلح نفسها، وأن تمنع القاتل الخفي من أن يعود كل مرة بثوبٍ جديد
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

