د. سحر أحمد علي
كرة القدم… تلك اللعبة الشعبية التي يقال إن الإنكليز أخذوا فكرتها من الهنود، ثم نُسبت إليهم، فيما يرى الإسبان أن جذورها تعود إلى ألعاب مارسها الهنود الحمر في أمريكا اللاتينية. والطريف أن الهند تأهلت إلى كأس العالم عام 1950، لكنها رفضت المشاركة بعدما اشترط الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ارتداء الأحذية أثناء المباريات.
كانت اللعبة قديماً لعبة الفقراء، أما اليوم فأصبحت لعبةً تُقام على أكتاف الفقراء!
واللافت أن الفقراء في معظم دول العالم هم الأكثر حماساً وتشجيعاً وبكاءً، فرحاً أو حزناً، وعواطفهم في ذلك صادقة، وربما يسكبون كل هذا الشغف من أجل فريق لا يعرفون عن بلده سوى اسمه أو ألوان علمه.
أما في الجانب الآخر، فقد أصبحت كرة القدم لعبة الكبار أيضاً. يبكي أولئك الكبار ويفرحون، ولكن لأسباب مختلفة؛ فبطولات كأس العالم تحدد كثيراً من قيم التسويق العالمي للاعبين، والأندية، والسلع، والأفكار، بل وحتى لبعض النظريات والرؤى التي تتولد مع كل نسخة جديدة من البطولة.
ثم هناك الأرقام الخيالية التي تدرها اللعبة على “فيفا”ومن يدور في فلكها. تخيلوا أن سعر بطاقة حضور المباراة النهائية في آخر مقعد، الذي بالكاد يرى الجالس فيه أرض الملعب، بلغ نحو 8000 دولار، أي ما يعادل 112 مليون ليرة سورية، بينما وصل سعر المقعد القريب من أرض الملعب إلى نحو 61000 دولار، أي ما يقارب 855 مليون ليرة سورية، أي ما يلامس المليار ليرة. أما المشجع الذي حضر لمؤازرة فريقه، فقد أمضى أكثر من شهر متنقلاً بين الفنادق والأماكن السياحية بانتظار مباريات البطولة.
أما في الشعوب الفقيرة، فبالكاد يستطيع المشجع أن يحجز مقعداً في صالة أو مقهى يقدم كأساً من المتة، وذلك قبل أيام من المباراة، ليشجع فريقه وهو يتوهم أنه سيحمل معه كأس العالم، بينما الحقيقة أنه لم ينل سوى كأس المتة!
ويذكرني ذلك بمقولة طريفة: “صحيح أن الحزن واحد، والبكاء واحد، لكن الفرق كبير بين من يبكي وهو في سيارته الليموزين، ومن يبكي في باص النقل الداخلي.”
وكم أشعر أن قوانين كرة القدم تعكس، بشكل أو بآخر، قوانين الحياة لدى الشعوب الفقيرة! ففي كرة القدم تستطيع أن تستخدم قدميك ورأسك في التعامل مع الكرة، لكن يُمنع أن تلمسها بيدك. الرأس هنا كالقَدَم، كلاهما مباح، أما اليد فمحرمة!
وكذلك الشعوب؛ تستطيع أن تستخدم رأسك، وأن تفكر كما تشاء، وأن تحلم بما تريد، وأن تمضي بقدميك إلى أي مكان، لكنك في النهاية قد لا تصل بيديك إلى شيء. وإذا ما مددت يدك لتحصل على حقك، فقد تُحتسب عليك مخالفة… وربما تُطرد من الملعب!
نعم… يكفينا أننا نمسك بكأس المتة في أيدينا، بينما نشاهد كأس العالم في أيدي الآخرين.
ومن وحي ذلك أقول:
تتلاعبُ الأقدامُ في كرةٍ كما
لعبتْ بعقلِ مشاهدٍ أفلامُ
بطلٌ وتشويقٌ وحبكةُ مُخرجٍ
ثمَّ النهايةُ… والمساءُ ننامُ
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

