آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » المعرفة وفقدان البوصلة

المعرفة وفقدان البوصلة

 

 

مالك صقور

 

في هذه الأيام التي تتصارع فيها الدول على الممرات البحرية، وتستعر فيها المعارك في مناطق متعددة على الكرة الأرضية، يبقى السؤال الأهم: هل ما زال الإنسان يتحكّم بالمعرفة التي صنعها وأبدعها، أم أن هذه المعرفة، التي هي من صنع يديه، أصبحت تقوده؟ ذلكم هو السؤال الذي يستحق أن يجيب عنه المفكرون والعلماء والمحللون السياسيون والكتّاب أيضًا، لأن الأمم – في رأيي – لا تضيع حين تفتقر إلى المعلومات، بل تضيع حين تفقد البوصلة التي تهديها إلى الحكمة. الحكمة التي تؤدي إلى النهضة، وتعمّق الوعي، وتعمّم سياسة السلام والتعايش السلمي.

 

بلى.. الحكمة التي تهدف إلى العدالة، والحرية، والمساواة.

 

لقد أصبحت المعرفة أقوى سلاح بيد البشر، لكن الذين يتحكمون بمصير البشرية فقدوا البوصلة. فالعالم اليوم لا تنقصه المعلومات والمعارف ولا الأخبار، بل ينقصه العقل والتعقل، والوعي، والحكمة.

 

لقد نجح الإنسان في التطور العلمي، وطوّر التكنولوجيا الثقيلة منها والراقية، وانتصر في ثورة المعلوماتية والاتصالات، والأهم من كل ذلك الذكاء الاصطناعي، لكنه لم ينجح في قتل الوحش الكامن في أعماقه، الذي يأمره بالحرب والقتل والفتك والاحتلال. وفي خضم هذه الأحداث الفظيعة، من القصف المتبادل والدمار، تتدفق الأخبار، وتتسابق الفضائيات على نشر الأخبار العاجلة. ولا يجد المتلقي المسكين، الذي ينتقل من محطة إلى أخرى، وقتًا للتأمل أو تدقيق هذه الأخبار المتناقضة، وليس له القدرة على فهمها، حتى صار يطارد الخبر، وتضيع الحقيقة في زحمة التضليل الإعلامي.

 

نعم.. لم يعد العالم يعاني من نقص في العلوم والمعارف، بل من الفائض منها، فبضغطة زر تصل إلينا آلاف الأنباء، وملايين الوثائق، بالإضافة إلى تحليلات لا تنتهي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل ازدادت حكمتنا بقدر ما ازدادت معرفتنا؟ هل قضينا على الفقر، والمرض، والتشرد، والهجرة؟ هل تم تكريس كل هذه العلوم لتطوير الأدوية، ومكافحة السرطان، والأمراض المزمنة؟

 

إذن، فما قيمة المعرفة إذا قادت وأدت إلى سباق التسلح بدل التسابق إلى الإعمار، وطمأنة الناس عن مستقبل آمن، خالٍ من البارود والمدافع والقصف والخراب؟ نعم.. ما قيمة هذه المعارف كلها إذا تحولت إلى وسيلة للتضليل عوضًا عن التنوير؟ وما نفع هذه المعرفة إذا صار الإنسان يعرف الطريق إلى كل مكان، إلاّ الطريق إلى السلام والسلم والأمن والأمان، والعدل، وتأمين رغيف الخبز للجميع بكرامة؟

 

ليست أزمة عصرنا أزمة معلومات وعلوم ومعارف، بل أزمة (البوصلة). فحين تنتهي القيم والأخلاق، وتُغيَّب الحقائق، وتغيب الحكمة، ويموت العقل والوعي، تتحول المعرفة إلى قوة عمياء. وقد يصبح التقدم العلمي أداة للهدم والخراب واليباس، بدل أن يكون وسيلة لبناء الإنسان وخيره.

 

لهذا كله، أرى أن المهمة الحقيقية للكتّاب اليوم، أن يعيدوا توجيه البوصلة نحو الحقيقة، وأن يذكّروا بأن المعرفة لا تكتمل إلاّ بالحكمة، وأن القوة لا تكتمل إلا بالضمير

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

باحثٌ عن تاريخِ ما بقي حيًّا (4) القاتل الذي لا تراه الحضارات

بقلم:   المهندس محمود محمد صقر     وقفتُ أمام حضاراتٍ سبقت، أتتبع الخيط الرفيع الذي بدأ منه سقوطها. ولم يكن سؤالي: متى سقطت؟ بل: ...