أسيمة حسن
لم تعد الصحافة وحدها تنقل ما يحدث في الشارع. خلال السنوات الأخيرة، ظهر لاعب جديد وبقوة على المشهد الإعلامي: المدوّن وصانع المحتوى، الذي يحمل هاتفه، يصل إلى موقع الحدث، يصوّر ويسأل ويعلّق، ثم ينشر خلال دقائق، ليصل أحيانًا إلى جمهور يفوق جمهور بعض وسائل الإعلام التقليدية.
هذه الظاهرة أصبحت واقعًا لا يمكن تجاهله أو التعامل معها باعتبارها مجرد موجة عابرة. فصانع المحتوى بات يمتلك جمهورًا واسعًا وتأثيرًا حقيقيًا، وقدرة على لفت الانتباه إلى قضية دون أخرى، بل والمساهمة في تشكيل النقاش العام حولها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول عدد المتابعين إلى شهادة مهنية، وكأن امتلاك مليون متابع يعني بالضرورة امتلاك مليون حقيقة.
في المجتمع السوري، نرى أحيانًا شخصًا يصل إلى مكان وقع فيه حادث أو إشكال أو مشكلة خدمية، فيبدأ بالتصوير وطرح الأسئلة بصورة سريعة، ثم ينشر رواية واحدة للحدث قبل أن تكتمل الصورة. وخلال ساعات، قد تنتشر الرواية ويتناقلها الناس على نطاق واسع، قبل أن يتضح لاحقًا أن جزءًا منها كان ناقصًا أو غير دقيق.
وهنا تكمن إحدى أكبر المشكلات: التصحيح لا يسافر بالسرعة نفسها التي يسافر بها الخبر الأول.
عندما تصبح السرعة أهم من التحقق
هنا تظهر قيمة الصحافة المهنية. فالصحافة، في جوهرها، ليست مجرد حضور في مكان الحدث، ولا امتلاك كاميرا أو هاتف وعدد كبير من المتابعين. الصحفي مطالب بالتحقق من المعلومات، والاستماع إلى أكثر من طرف، والتمييز بين الوقائع والتفسيرات، واحترام الخصوصية والكرامة الإنسانية، وعدم تحويل معاناة الناس إلى مادة لاستدرار المشاهدات.
أما القول إن “الجمهور يريد ذلك” ، فلا ينبغي أن يكون مبررًا كافيًا.
صحيح أن الجمهور قد ينجذب إلى الإثارة والصراخ والعناوين الكبيرة والمشاهد الصادمة، لكن وظيفة الإعلام لا تقتصر على تقديم ما يثير الجمهور؛ بل تتمثل أيضًا في مساعدته على فهم ما يحدث بصورة دقيقة ومتوازنة، بعيدًا عن التضليل والتشويه.
ومع ذلك، سيكون من غير المنصف النظر إلى ظاهرة صناعة المحتوى باعتبارها سلبية بالكامل. فهناك مدوّنون وصنّاع محتوى يقدمون أعمالًا مهمة، ويلفتون الانتباه إلى مشكلات في أحياء فقيرة، أو ينقلون معاناة عائلات، أو يكشفون خللًا خدميًا قد لا يصل إليه الإعلام التقليدي بالسرعة نفسها.
وفي أحيان كثيرة، يكون صانع المحتوى أكثر قربًا من الناس وأكثر سرعة في الوصول إلى الحدث.
لذلك، ربما لم يعد السؤال هو: كيف نلغي هذه الظاهرة؟
فهي أصبحت جزءًا من المشهد الإعلامي والاجتماعي.
السؤال الأهم هو: كيف نجعلها أكثر مسؤولية؟
نحن بحاجة إلى ثقافة إعلامية أكبر لدى الجمهور، وإلى وعي لدى صانع المحتوى بأن المتابع ليس مجرد رقم، وأن الشهرة لا تمنح صاحبها الحق في انتهاك خصوصية الناس أو توجيه اتهامات غير موثقة.
ونحتاج كذلك إلى تمييز واضح بين الإعلان والخبر، والرأي والمعلومة، والتغطية المهنية وصناعة المشهد من أجل المشاهدات.
فصانع المحتوى قد يمتلك اليوم تأثيرًا يفوق أحيانًا تأثير صحفي يعمل داخل مؤسسة إعلامية. وهذا التأثير يمكن أن يكون جسرًا بين الناس والمشكلات التي يعيشونها، لكنه يمكن أيضًا أن يتحول، بقصد أو من دون قصد، إلى أداة لتشكيل الرأي العام بناءً على معلومة ناقصة أو رواية غير مكتملة.
في النهاية، ليست المشكلة في أن يحمل الإنسان هاتفًا ويصبح لديه متابعون، كما أنها ليست في وجود الإعلام التقليدي بحد ذاته.
المشكلة تبدأ عندما يصبح عدد المتابعين بديلًا عن المصداقية، والمشاهدة بديلًا عن الحقيقة، والانتشار بديلًا عن المسؤولية.
نحن لا نحتاج إلى إسكات صناع المحتوى، ولا إلى تقديس الصحفيين. ما نحتاجه هو معيار واحد للجميع: المسؤولية أمام الحقيقة والناس.
فكل من يملك جمهورًا يحمل مسؤولية تتجاوز حجم حسابه؛ لأن وراء كل مشاهدة إنسانًا قد يصدق ما يسمعه، وخلف كل معلومة قرارًا أو موقفًا أو حكمًا قد يتخذه أحدهم بناءً عليها.
وعندما تصل الكلمة إلى آلاف الناس، فإنها لا تعود مجرد كلام عابر
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

