آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » السياحة على مدار العام، لا في الصيف فقط.. أفكار وتجارب ومقترحات برسم المعنيين في بلدنا بمناسبة يوم السياحة العالمي

السياحة على مدار العام، لا في الصيف فقط.. أفكار وتجارب ومقترحات برسم المعنيين في بلدنا بمناسبة يوم السياحة العالمي

 

هيثم يحيى محمد

 

 

في كل عام، ومع اقتراب فصل الصيف، تتكرر في الساحل السوري عبارات من قبيل «إطلاق الموسم السياحي»، ثم ما إن ينتهي الصيف حتى تبدأ عبارات أخرى مثل “ختام الموسم السياحي” أو “حصاد الموسم السياحي”.

 

قد تبدو هذه العبارات في ظاهرها مجرد توصيف إعلامي لمواعيد النشاط السياحي، لكنها تحمل، من حيث لا نقصد، رسالة أعمق: أن السياحة مرتبطة بالصيف، وأن الموسم السياحي يبدأ مع بداية الصيف وينتهي بانتهائه.

 

وهنا تبرز الحاجة إلى مراجعة المفهوم قبل مراجعة المصطلح.

 

فـالاصطياف نشاط سياحي، لكنه ليس السياحة كلها. السياحة مفهوم أوسع بكثير من الرحلات الصيفية إلى الشاطئ؛ فهي تشمل السياحة الثقافية والأثرية، والسياحة البيئية والريفية، وسياحة المؤتمرات والمعارض، والسياحة الرياضية، وسياحة الأعمال، والسياحة الدينية، والسياحة العلاجية والاستشفائية، وسياحة المغامرات، والسياحة البحرية، فضلاً عن أنماط جديدة ومتخصصة تتطور باستمرار.

 

وبالتالي، فإن انتهاء الصيف لا يعني انتهاء السياحة، كما أن بداية الصيف لا ينبغي أن تكون هي اللحظة التي تبدأ فيها السياحة.

 

المشكلة ليست في الصيف… بل في “موسمية” السياحة

 

ليس المقصود هنا إنكار أهمية موسم الصيف بالنسبة إلى الساحل السوري. فالشواطئ والمناخ البحري والمنتجعات الساحلية تشكل مقومات أساسية يمكن البناء عليها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الميزة إلى تعريف كامل للسياحة.

 

منظمة الأمم المتحدة للسياحة تتعامل مع “موسمية السياح” باعتبارها تحدياً عالمياً يواجه كثيراً من الوجهات، لما تحدثه من تقلبات كبيرة في أعداد الزوار خلال السنة. وتؤكد المنظمة أن الحد من هذه التقلبات يحتاج إلى حلول مبتكرة وتنويع في المنتجات والخدمات السياحية، لأن الموسمية لا تحمل آثاراً اقتصادية فقط، وإنما لها أيضاً آثار اجتماعية وبيئية.

 

وتشير المنظمة كذلك إلى أن الموسمية يمكن أن ترتبط بعوامل طبيعية، مثل تغير الفصول والمناخ، لكنها قد تكون مرتبطة أيضاً بعوامل بشرية ومؤسسية، مثل العطل المدرسية والإجازات، وهو ما يعني أن جزءاً من الموسمية قابل للإدارة والتخفيف من حدته عبر السياسات والتخطيط وتطوير المنتجات السياحية.

 

وهذه نقطة شديدة الأهمية بالنسبة إلى الساحل السوري.

 

فليس المطلوب أن نجعل كانون الثاني شبيهاً بتموز، وإنما المطلوب أن يكون لكل شهر منتجه السياحي الخاص به.

 

من “موسم سياحي” إلى “روزنامة سياحية”

 

بدلاً من أن تكون لدينا سياحة صيفية طويلة يتخللها بعض النشاط في بقية أشهر السنة، يمكن التفكير في بناء روزنامة سياحية سنوية.

في الصيف تكون سياحة الشواطئ والاصطياف في الواجهة.

 

وفي الخريف يمكن تنشيط السياحة الثقافية والتراثية والريفية، ومسارات الطبيعة والمهرجانات والفعاليات المحلية.

 

وفي الشتاء يمكن تطوير سياحة المؤتمرات والفعاليات الداخلية، والسياحة الريفية، والاستشفائية، والمطاعم وتجارب الطعام، والرحلات الثقافية، والأنشطة المرتبطة بالطبيعة والمواقع الأثرية، متى توافرت البنية التحتية المناسبة.

 

أما الربيع فيمكن أن يكون موسماً مهماً للسياحة البيئية والريفية والرحلات والمسارات الطبيعية والفعاليات الثقافية والرياضية.

 

وبذلك لا تعود القضية: متى يبدأ الموسم السياحي؟

 

بل تصبح:

 

ما المنتج السياحي الذي نقدمه هذا الشهر؟ ولأي سوق؟

 

وهذا تحول في التفكير قبل أن يكون تحولاً في التسويق.

 

تجربة تركيا: البحر وحده لا يصنع السياحة

ولعل التجربة التركية القريبة جغرافياً تقدم مثالاً واضحاً على أهمية تنويع المنتج السياحي.

فتركيا لا تقدم نفسها باعتبارها وجهة صيفية فقط، رغم امتلاكها سواحل طويلة ومنتجعات بحرية شهيرة. بل تسوق نفسها كوجهة على مدار العام، مستفيدة من المدن الكبرى، والتراث الثقافي والأثري، والطبيعة، والرياضة، والفعاليات الدولية، والمؤتمرات، والمهرجانات، وغيرها من المنتجات. وتصف منصة السياحة الرسمية التركية البلاد بأنها وجهة توفر تجارب سفر على مدار العام، فيما يبرز برنامجها السياحي الشتوي مجموعة واسعة من الأنشطة والوجهات في موسم الشتاء.

 

وفي السياحة الثقافية تحديداً، يجري استثمار المواقع الأثرية ليس باعتبارها أماكن للزيارة في موسم محدد فقط، وإنما كجزء من منتج سياحي مستمر، بما في ذلك تطوير الزيارات الليلية لبعض المواقع الأثرية والربط بينها وبين التجارب السياحية الأخرى.

 

وهنا يمكن أن نسأل: ماذا يمنعنا من التفكير بالطريقة نفسها؟

 

فالساحل السوري لا يملك البحر وحده.

 

إنه يملك الجبال، والقرى، والغابات، والمواقع الأثرية، والهوية الثقافية، والمطبخ المحلي، والحرف التقليدية، والمنتجات الزراعية، والموروث الشعبي، والمرافئ، والمسارات الطبيعية، فضلاً عن قربه من مناطق تاريخية وثقافية غنية.

 

كل هذه المقومات يمكن أن تتحول إلى منتجات سياحية مختلفة، إذا انتقلنا من فكرة “الموسم”إلى فكرة “المنتج السياحي المتجدد”.

 

ماذا تقول السياحة المستدامة؟

 

السياحة المستدامة لا تعني فقط المحافظة على البيئة، كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنما تتعلق بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية معاً.

وتشير منظمة الأمم المتحدة للسياحة إلى أهمية قياس هذه الأبعاد، وتتعامل مع موسمية السياحة باعتبارها أحد المجالات الأساسية التي ينبغي مراقبتها وإدارتها في الوجهات السياحية المستدامة.

 

والسبب واضح.

 

عندما تتركز الحركة السياحية في بضعة أشهر فقط، تصبح المنشآت أمام مشكلة موسمية في الإيرادات، والعمالة تصبح أكثر عرضة للعمل المؤقت، فيما تتعرض البنية التحتية لضغط كبير خلال فترة الذروة، ثم ينخفض استخدامها بقية العام.

 

وقد أشارت شبكة المراصد السياحية المستدامة التابعة للمنظمة إلى أن الموسمية ترتبط بتحديات مثل ازدحام مواسم الذروة، والضغط على البنية التحتية، ونقص الخدمات وفرص العمل في المواسم المنخفضة.

 

ومن هنا فإن تمديد الموسم السياحي ليس ترفاً تسويقياً، بل قضية اقتصادية واجتماعية وتنموية.

 

السياحة والعمل والتنمية المحلية

 

حين تكون السياحة صيفية بالدرجة الأولى، فإن قطاعات واسعة مرتبطة بها تصبح موسمية أيضاً.

العامل في الفندق، والمطعم، والنقل، والإرشاد السياحي، وتنظيم الرحلات، وتأجير السيارات، والفعاليات، والحرف اليدوية، والزراعة التي تزود المطاعم والفنادق، وغيرها من الأنشطة، كلها تتأثر بدرجة أو بأخرى بطول الموسم السياحي.

 

أما عندما تتحول السياحة إلى نشاط يمتد طوال العام، فإن الفائدة لا تقتصر على زيادة عدد الزوار، وإنما تمتد إلى استقرار الأعمال، واستمرارية فرص العمل، وتحسين استثمار المنشآت، وتحفيز الاستثمار، وتنشيط الأسواق المحلية.

 

وهذا يتفق مع النظرة الأوسع التي تتبناها الأمم المتحدة للسياحة باعتبارها قطاعاً اقتصادياً واجتماعياً مهماً، ومصدراً لفرص العمل ورافداً من روافد التنمية المستدامة.

 

الساحل السوري بحاجة إلى “إدارة وجهة”لا إلى إدارة موسم

 

ربما تكون هذه هي النقطة الأهم.

الساحل يحتاج إلى الانتقال من إدارة السياحة باعتبارها نشاطاً موسمياً إلى إدارة الوجهة السياحية على مدار العام.

 

وهذا يعني وجود خطة سياحية سنوية واضحة، تتضمن:

 

تحديد المنتجات السياحية التي يمكن تسويقها في كل فصل.

تنظيم روزنامة سنوية للمهرجانات والفعاليات الثقافية والرياضية والفنية.

تطوير السياحة الريفية والبيئية والأثرية.

تنشيط سياحة المؤتمرات والندوات والفعاليات في الفترات الأقل إقبالاً.

تشجيع الرحلات والمسارات السياحية التي تربط الساحل بالمناطق الداخلية.

تطوير المنتجات المحلية والحرف والمأكولات التقليدية باعتبارها جزءاً من التجربة السياحية.

تشجيع المنشآت السياحية على العمل طوال العام، وفق نماذج اقتصادية تتناسب مع حجم الطلب.

استخدام التسويق الرقمي للوصول إلى أسواق مختلفة في أوقات مختلفة من السنة.

قياس أعداد الزوار والإشغال والإنفاق وفرص العمل شهرياً، وليس فقط خلال ذروة الصيف.

وتؤكد مبادرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة في مجال السياحة المستدامة أهمية تنويع المنتجات، وإشراك المجتمعات المحلية، والابتكار والرقمنة، وربط السياحة بالتنمية المحلية والمحافظة على الموارد الطبيعية والثقافية.

 

وحتى شعار يوم السياحة العالمي 2026 يحمل رسالة مهمة

 

يأتي يوم السياحة العالمي هذا العام تحت عنوان “الأجندة الرقمية والذكاء الاصطناعي لإعادة تصميم السياحة”، وهو عنوان يتجاوز الحديث التقليدي عن السياحة ووسائل الترويج لها.

فالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعدا في معرفة أنماط الطلب، واكتشاف الأسواق الأقل استهدافاً، وتقديم تجارب أكثر تخصيصاً للزائر، والترويج لوجهات ومنتجات خارج مواسم الذروة.

 

وقد حذرت الأمم المتحدة، في رسالتها بهذه المناسبة، من أن التكنولوجيا إذا لم تُدار بصورة شاملة يمكن أن تؤدي إلى تركيز السياح في عدد محدود من الأماكن والمنصات، بدلاً من توزيع الفوائد على الوجهات والمجتمعات المختلفة. ولذلك تدعو الرسالة إلى أن تكون التكنولوجيا في خدمة الإنسان والتنمية المستدامة، مع الاستثمار في المهارات الرقمية وإتاحة الفرص للمجتمعات والمنشآت الصغيرة.

 

وهنا يمكن أن تكون التكنولوجيا وسيلة مهمة للخروج من عقلية “السياحة الصيفية”.

 

لا نحتاج إلى إلغاء “الموسم”… بل إلى توسيع مفهومه

من المهم ألا يتحول النقاش إلى خلاف لغوي حول استخدام مصطلح “الموسم السياحي”.

فمن الطبيعي أن تكون هناك مواسم ذروة ومواسم أقل نشاطاً، وهذا أمر موجود في مختلف أنحاء العالم.

 

المطلوب هو ألا تتحول الموسمية الطبيعية إلى سياسة سياحية دائمة.

 

يمكن أن نقول “موسم الاصطياف” عندما نتحدث عن النشاط البحري الصيفي.

 

ويمكن أن نقول “موسم السياحة الشتوية” عندما يكون المنتج الشتوي هو المقصود.

 

لكن السياحة نفسها ليست موسماً.

 

السياحة قطاع اقتصادي وثقافي واجتماعي يعمل على مدار العام، وتتغير منتجاته وأسواقه وأنماطه بتغير الفصول.

 

وهذا هو الفرق بين أن تكون لدينا “سياحة صيفية” وأن تكون لدينا “وجهة سياحية على مدار العام”.

 

في يوم السياحة العالمي: لنجعل السؤال مختلفاً

ربما آن الأوان لأن نتوقف عن السؤال التقليدي:

“متى يبدأ الموسم السياحي؟”

 

ونبدأ بسؤال أكثر ارتباطاً بالتنمية:

 

“كيف نجعل وجهاتنا السياحية حية وجاذبة في كل أشهر السنة؟”

 

الساحل السوري ليس شاطئاً فقط، كما أن السياحة ليست اصطيافاً فقط.

 

لدينا ما يكفي من المقومات لبناء منتجات سياحية متعددة، لكن ذلك يحتاج إلى رؤية تتجاوز الصيف، وتخطيط يتجاوز الموسم، وتسويق يتجاوز الشاطئ.

 

فإذا كان الاصطياف أحد فصول السياحة، فإن السياحة نفسها يجب ألا يكون لها فصل واحد.

 

وفي يوم السياحة العالمي، ربما تكون الرسالة الأهم التي ينبغي أن نوجهها لأنفسنا وللجهات المعنية هي:

 

لا نريد موسماً سياحياً أطول فحسب، بل نريد سياحة لا تنتهي بانتهاء الصيف.

(موقع: اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

السياحة في الشرق الأوسط تتراجع 22% خلال النصف الأول من 2026 متأثرة بالحرب واضطرابات الطيران وزيادة التكاليف 

    سجلت السياحة الدولية في منطقة الشرق الأوسط تراجعًا بنسبة 22% خلال النصف الأول من عام 2026، في أضعف أداء بين مختلف مناطق العالم، ...