قراءة: علي نفنوف
دبي
تَطيلُ النَّومَ في جَفوني.. والدمعُ يَنهمرُ
أخافُ عليكِ مِن دمعٍ.. ومِن مُقَلْ
ومِن رَفيفِ رَمشٍ.. إن جَفَّتِ الماقي!
يا ابنةَ الوَردِ..
ذَبَلَت عيوني
وأنا أبكي وطناً ضاعَ مِنّي
بينَ أوردةٍ تيبَّست.. وشفاهٍ تشقَّقت.
صحراءُ روحي بلا أفيَاءْ..
وعروقٌ.. ما عادت تَرتوي مِن رُضابكْ!
يا سَليلةَ الدّمعِ.. يا ابنةَ شَهقاتي..
أيْنكِ؟ أينَ الوَطنْ؟
لماذا هاجرتِ العصافيرُ؟
لقد ماتَ الحُبُّ فينا..
وأنتِ ما زلتِ ترقدينَ في مَدامِعي!
لا حياةَ في منافي الوَطنْ..
أنتِ تتشبثينَ بصورةِ رَجُلٍ من رَمادْ
لقد عَطِبَ كُلُّ شيءٍ فيهْ
فَرَّ من حولِهِ الإخوةُ والرِّفاقْ..
والسَّقفُ ما عادَ يحميهْ!
رجلٌ يرسمُ أوطاننا..
قد هاجرَ أبناؤهْ،
باتوا طعاماً لأسماكِ القِرشْ!
حملوا في الحقائبِ صُورنا.. وقُبلاتِنا، وأغانينا
ما أنجَتهم زوارقُ البحارةْ..
لا أجنحةُ نوارسْ!
أنتِ تعلّقينَ أملاً على بقايا رجلٍ
فتكت بهِ الحروبُ.. وأطماعُ الإخوةْ!
الصغارُ يتسلقون هامتي.. كنحلٍ هاربٍ مِن حريقْ
أنا.. ذلكَ الذي يُسمى إنساناً حائراً
بينَ غفوكِ.. ونجاةِ النحلْ.
باللهِ عليكِ..
ارسميني جغرافيا أكلتها النيرانْ
أملاً ضاعَ في معاهداتٍ دوليةْ
حلماً معلقاً بعنقِ طفلٍ حاولَ الهربَ مِن وطنٍ بلا نجاةْ..
أغنيةً.. لا تصلحُ إلا للموتى!
رياض ابراهيم الدليمي
يأخذنا هذا النص الآسر مباشره الى حقول النفس العميقه بعيداً عن الفانتازيا اللغويه.. لنقف امام تعاريف جديده.. لهواجس عتيقه
نحن ندرك والشاعر ايضاً إن ثمة أوطانٌ تغادر أبناءها قبل أن يغادروها، وثمة مدنٌ تنطفئ في الداخل قبل أن تسقط على الخرائط. وحين يحدث ذلك، لا يعود المنفى مكانا، بل يتحول إلى حالةٍ وجوديةٍ كاملة، ويغدو الإنسان غريبا في البيت الذي حفظ تفاصيله حجراً حجراً، وشجرةً شجرةً، وذكرىً ذكرى.
حين كتب بدر شاكر السيّاب: «الشمس أجمل في بلادي»، كان يكتب عن منفى جغرافي، أمّا رياض إبراهيم الدليمي فيكتب عن منفى أكثر قسوة
أنا لست بصدد المقارنه الشعريه او المقاربه بين تجربتين ولكن انا اعود الان الى ان فكره الانسانيه او الحزن هو ما يوحدنا في اوطاننا
لأن الإنسان هنا لا يغادر الوطن، بل يغادره الوطن نفسه. وهنا تحديدا تبدأ المأساة
؛ فليس أشد قسوةً من أن يفقد الإنسان المكان الذي كان يظن أنه امتداده الطبيعي، وليس أكثر مرارةً من أن يكتشف أن الوطن الذي كان يتسع لأحلامه، صار أضيق من حزنه.
منذ السطر الأول، يضعنا الدليمي أمام مشهدٍ مشبعٍ بالفقد والانتظار:
«ذبلت عيوني وأنا أبكي وطنًا ضاع مني.»
إنه لا يقول إن الوطن قد ضاع، هو يقول إنه ضاع منه. وفي هذه العبارة الصغيرة تكمن هوةٌ كاملة بين المعنى السياسي والمعنى الوجودي. فالوطن، في جوهره، ليس حدوداً ولا راياتٍ ولا خرائط، هو ذلك الشعور الغامض الذي يجعل الإنسان مطمئناً إلى أنه يقف في مكانه الصحيح من العالم.
في هذه القصيدة، نجد ان الوطن ليس أرضاً بقدر ما يبدو امرأةً مؤجلة، أو أمّاً غائبة، أو ابنةً نائمة في ذاكرة الشاعر. و هذا ما يفسر كثافة الخطاب العاطفي في النص؛ فالدليمي لا يخاطب وطنه على إنه كيان سياسيّ، وإنما يخاطبه كجزء من جسده:
«يا سليلة الدمع، يا ابنة شهقاتي.. أينكِ؟ أين الوطن؟»
إنه سؤالٌ لا يبحث عن إجابة، لأن الشاعر يعرف، في أعماقه، أن الأوطان لا تختفي فجأة، وإنما تتآكل ببطء، كما تتآكل الصخور تحت أقدام الأنهار.
ومن الناحية النفسية، يبدو النص أشبه بسجلٍّ طويل للخسارات المتعاقبة؛ خسارة الإخوة، وخسارة الرفاق، وخسارة الأبناء، ثم خسارة القدرة على الحلم. ولهذا تتحول اللغة إلى ما يشبه الاعتراف الطويل، أو النحيب المكتوم.
وحين يقول:
«فرَّ من حوله الإخوة والرفاق، والسقف ما عاد يحميه.»
فإن السقف هنا لا يؤدي وظيفته المعمارية، او الفيزيائية انما يؤدي وظيفته الرمزية؛ إذ يتحول إلى استعارةٍ للحماية والأمان واليقين. وحين يسقط السقف، يصبح العالم كله عراء كبير
ولأن رياض الدليمي شاعرٌ وفنان تشكيلي في آنٍ واحد، فإن نصوصه لا تُقرأ بقدر ما تُرى. إنه لا يكتب الكلمات، يرسمها، ولا يصنع الصور، هو يستخرجها من أعماق الذاكرة. ولذلك تبدو قصيدته سلسلةً من اللوحات المتجاورة؛ صحراء قاحلة، ورجل من رماد، ونوارس تتلاشى في الأفق، وأطفال يركضون نحو المجهول، ونحلٌ يفرُّ من الحريق.
هذه الصور ليست زينةً لغوية،
أو فانتازيا شاعرية انما هي البنية العميقة للنص.
إن الدليمي يرسم بالحزن، ويخلط الألوان بالدموع، ويمنح الأشياء أسماءها الأخيرة.
ولعل الصورة الأكثر إيلاماً تتمثل في قوله:
«باتوا طعاماً لأسماك القرش.»
هذه الصورةٌ تختصر حكاية جيلٍ كامل حمل ذاكرته في حقيبة، ومضى باحثا عن شاطئٍ آخر، غير مدركٍ أن البحر الذي بدا طريقا للنجاة قد تحول إلى مقبرةٍ واسعة.
وفي موضعٍ آخر، يبلغ النص ذروته حين يقول:
«أنا ذلك الذي يسمى إنساناً حائراً بين غفوكِ ونجاة النحل.»
إن النحل هنا ليس مجرد كائنٍ صغير، هو رمزٌ بالغ الدلالة؛ فهو يغادر خلاياه هرباً من النار، لكنه لا يعرف إن كان سيجد في الأفق حقلاً آخر، أم حريقاً آخر.
هكذا تبدو الذات العربية اليوم؛ معلقةً بين خسارتين، وموزعةً بين منفىً يبتلعها، ووطنٍ يعجز عن احتضانها.
لقد تحول من شاعرٍ عراقي إلى استعارةٍ كبرى، وتحولت غربته إلى مرآةٍ واسعة انعكس عليها وجه الإنسان العربي كله. ولعل رياض إبراهيم الدليمي يدرك هذه الحقيقة جيداً، لذلك جاءت قصيدته امتدادا لذلك الجرح القديم؛ جرح الإنسان الذي يحمل وطنه في قلبه، ثم يكتشف، بعد سنواتٍ طويلة، أن قلبه نفسه قد صار منفى.
إن رياض الدليمي لا يبكي العراق وحده،
حاله كحال كل الشعراء العرب المحكومين بالقهر والضياع إذاً هو يبكي الإنسان حين يفقد المعنى، ويبكي الذاكرة حين تعجز عن ترميم الخراب، ويبكي الزمن حين يتحول إلى شاهدٍ صامت على انهيار الأحلام.
ولهذا لا ينتهي النص بسؤالٍ عن الوطن، ينتهي بسؤالٍ أكثر مرارةً وعمقا:
متى يصبح الإنسان غريباً إلى هذا الحد، حتى وهو يقف على عتبة بيته؟
وفي الختام
نحن امام قصيده تشبه نشيدا انسانيا يغني الانسان بطريقه مختلفه لكن لا يختلف عليها اثنان
كل التقدير والشكر لهذا التألق الدائم للشاعر رياض ابراهيم الدليمي على امل ان تجد هذه النصوص مكان لها في رفوف المكتبه العربيه كما لها وجودها الجميل في قلوب القرّاء والمتابعين

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

