عبد اللطيف عباس شعبان
طموح العلم وطموح العمل مترابطان، وطموح العلم هو الأولى والأسبق؛ فالإنسان يتعلم ليُعِدَّ نفسه للعمل.
وإن يكن التعليم المدرسي في هذه الأيام هو التعليم الأساسي المؤهِّل للعمل، فإن هذا التعليم لم يكن متاحاً للغالبية العظمى في زمن مضى. وكان التعليم المنزلي، الذي يعتمد على تعليم قراءة الكتب السماوية (القرآن والإنجيل)، مع مبادئ الحساب الأولية، هو التعليم الأساسي السائد، ولسنوات قليلة يقضيها طالب العلم.
وجميع القدامى المشهود لهم من العلماء، على تنوعهم، والأدباء، على تعددهم، كانوا من ثمار هذا التعليم، ولم يكونوا يحملون شهادات علمية؛ إذ كان وجود المدارس يقتصر على بعض مراكز المحافظات، إلى أن ظهرت الحاجة إلى التعليم المدرسي، وانتشر إحداث المدارس بالتتابع في مراكز المناطق، ومن ثم مراكز النواحي، فالقرى الكبيرة، فالصغيرة، حتى وصل الحال إلى وجود مدرسة في كل قرية، وتم اعتماد التعليم الإلزامي.
ولكن الفساد والخراب والدمار الذي اجتاح بلدنا الحبيب خلال العقدين الأخيرين حرم التعليمَ جيلاً كاملاً في العديد من المناطق، نتيجة ما انتاب أهاليها من قتل وتدمير وتهجير محلي وخارجي. فالأمية التي كان بلدنا على وشك الخلاص منها في جميع المحافظات عادت من جديد، وللأسف، بأعداد كبيرة في أكثر من محافظة.
هذه المأساة المؤلمة تتطلب أن يكون من أولويات السلطات الحالية الاهتمام الكبير والجاد والسريع بتمكين المهجّرين من العودة إلى بيوتهم في جميع المناطق، دون استثناء أي مهجّر، وتأهيل المدارس القديمة بشكل أولي لاستقبال الأطفال وتسجيلهم في الصفوف بما يتناسب مع أعمارهم وما لديهم من مؤهلات.
كما تبرز ضرورة وجود صفوف جانبية في كل مدرسة لمحو الأمية للكبار الذين لا تتيح لهم أعمارهم دخول صفوف المدارس. وإن يكن كثير من العلماء والأدباء ورجال الأعمال القدامى لا يحملون شهادات علمية، فإن الواقع الراهن يظهر ويؤكد أن المزيد من الحصول على الشهادات العلمية يذكي العقول وينير الدروب، وهو ضرورة حياتية تتجدد أهميتها كل يوم، نتيجة التقدم المتسارع في العلوم.
وقد جاء في القرآن الكريم:
“قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ”
(سورة الزمر، الآية 9).
وقال تعالى:
“يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ”
(سورة المجادلة، الآية 11).
وجاء في الحديث الشريف:
“اطلب العلم ولو في الصين”
وجاء أيضاً:
“فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب”.
وجاء في الشعر:
تعلَّمْ فليس المرءُ يولدُ عالماً
وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلُ
وقال الشاعر:
العلمُ زينٌ وتشريفٌ لصاحبه
فاطلبْ هُديتَ فنونَ العلمِ والأدبا
وقيل:
فالعلمُ يبني بيوتاً لا عمادَ لها
والجهلُ يهدمُ بيوتَ العزِّ والكرمِ
أبارك لجميع الناجحين في تعليمهم، في الشهادات وفي كافة صفوف المراحل الدراسية، وأخص المتفوقين منهم، وحبذا ألا يغيب عن بالهم جميعاً أنهم معنيون بتحقيق التفوق العملي في حياتهم؛ فلا خير في تفوق علمي لا يقترن بتفوق عملي، معطَّرٍ بالإيمان ومكلَّلٍ بحب الوطن.
والثائر المجاهد الشيخ صالح العلي خير من طبّق ذلك؛ فقد كان يوجّه مجتمعه إلى طلب العلم، بما في ذلك الثوار وهم في ساحات القتال ضد المستعمر، وقد ربط بين العلم والعمل والإيمان، وخاطب المجاهدين بقوله:
إذا كنتَ ذا علمٍ ولم تكُ عاملاً
فأنتَ كذي رِجلٍ وليس له نعلُ
وإن عملتْ كفِّي ولم أكُ عالماً
أكنْ مثلَ ذا نعلٍ وليس له رجلُ
وإن كنتُ ذا علمٍ تقيّاً وعاملاً
أكنْ رجلاً في شخصِه مُثُلُ الفضلِ
*الكاتب:عضو اتحاد الصحفيين وعضو جمعية العلوم الاقتصادية
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

