آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » يوم بين أحضان الطبيعة والتاريخ في الشيخ بدر بريف طرطوس

يوم بين أحضان الطبيعة والتاريخ في الشيخ بدر بريف طرطوس

 

بقلم:عدنان الشمالي

دعاني صديق قديم لزيارة بلدته الشيخ بدر، فسررت بالدعوة كثيراً لما لهذه المدينة من سمعة طيبة وطبيعة خلابة طالما سمعت عنها. لبيت الدعوة بكل سرور، وانطلقت صباحاً من مدينة طرطوس قاصداً هذه المدينة الجميلة الواقعة بين أحضان الجبال والغابات.

تبعد الشيخ بدر عن مدينة طرطوس نحو خمسة وثلاثين كيلومتراً، وما إن تبدأ بالصعود تدريجياً حتى تشعر بأن الرحلة تأخذك إلى عالم مختلف تماماً.

فالطريق إلى الشيخ بدر ليس مجرد طريق يصل بين مدينتين، بل هو انتقال هادئ من إيقاع الحياة السريع إلى عالم أكثر بساطة وهدوءاً. فالجبال تزداد حضوراً شيئاً فشيئاً، والأشجار تصبح أكثر كثافة، والهواء أكثر برودة ونقاءً.

كانت غابات السنديان والبلوط والصنوبر ترافقنا على امتداد الطريق، فيما كانت القرى الصغيرة تتوزع على السفوح الجبلية في مشهد يمنح المكان جمالاً خاصاً.

وصلت إلى منزل صديقي، الذي استقبلني بحفاوة كبيرة، وكان منزله يطل على مساحات واسعة من الخضرة الممتدة حتى الأفق. وبعد استراحة قصيرة وجلسة لطيفة مع أفراد أسرته، انضم إلينا والده، فرحب بي بحرارة.

سألته عن سبب تسمية المدينة بهذا الاسم، فابتسم وقال إن هناك روايات متعددة، وأكثرها شيوعاً أنها سميت نسبة إلى الشيخ بدر الدين، الذي عاش في المنطقة منذ قرون، ثم ارتبط اسمه بالمكان حتى أصبح يعرف بمدينة الشيخ بدر.

بعد ذلك خرجنا في جولة داخل المدينة.

لفت انتباهي، منذ اللحظات الأولى، هدوء المكان وبساطة الحياة فيه. فالناس يتحركون بهدوء، والشوارع نظيفة، والمحال الصغيرة تمنح المدينة طابعاً محبباً بعيداً عن ضجيج المدن الكبيرة.

تقع الشيخ بدر على ارتفاع يزيد على خمسمئة متر فوق سطح البحر، وهذا ما يمنحها مناخاً معتدلاً يجعلها مقصداً مفضلاً للكثير من الزوار، ولا سيما خلال فصل الصيف.

ما يميز الشيخ بدر حقاً هو الغابات التي تحتضنها من كل الجهات. هنا تشعر بأن الطبيعة هي صاحبة القرار الأول، وأن الإنسان اكتفى بأن يبني مدينته بينها دون أن يغير كثيراً من ملامحها.

وخلال جولتنا كنا نتوقف مراراً للاستمتاع بالمناظر الجبلية الجميلة. عشرات القرى تنتشر فوق التلال المحيطة وتطل على المدينة، فيما تتشابك الأشجار لتشكل لوحة طبيعية تبعث الراحة في النفس.

بعد ذلك توجهنا إلى منطقة الديرون، وهي من أجمل المناطق الطبيعية القريبة من الشيخ بدر، حيث تنتشر الينابيع العذبة التي تنساب بين الصخور والأشجار.

جلسنا لبعض الوقت نستمع إلى خرير المياه وأصوات العصافير التي ملأت المكان بالحياة والسكينة، وشعرت بأن الزمن هنا يسير ببطء جميل، بعيداً عن صخب الحياة اليومية.

ثم قال لي صديقي:
“لم تنته جولتنا بعد، فما زال هناك الكثير مما يستحق الزيارة.”

كانت وجهتنا التالية مغارة جوعيت، إحدى أجمل المعالم الطبيعية في المنطقة. تقع المغارة وسط الغابات الكثيفة، وكأنها جوهرة مخبأة بين الجبال. وقد أبهرتني التشكيلات الصخرية الكلسية التي تكونت عبر آلاف السنين، وزاد من جمال المكان اجتماع الماء والخضرة والصمت الذي يحيط بالمغارة من كل جانب.

ومن هناك توجهنا إلى سد الصوراني.

كان المشهد ساحراً بكل معنى الكلمة؛ مساحة واسعة من المياه الهادئة تعكس صورة الجبال والأشجار المحيطة بها، فيما كانت النسائم الباردة تضفي على المكان شعوراً رائعاً بالسكينة والراحة.

وقفنا طويلاً نتأمل هذا الجمال الطبيعي، وأدركت أن الشيخ بدر لا تختصر بمدينة واحدة، بل هي مجموعة من اللوحات المتجاورة: غابات كثيفة، وينابيع عذبة، ومغارات جميلة، وسدود هادئة، وجبال تحتضن عشرات القرى الصغيرة.

وقبل انتهاء الجولة توجهنا إلى ضريح المناضل الوطني الكبير الشيخ صالح العلي، أحد أبرز قادة المقاومة السورية ضد الاحتلال الفرنسي.

هناك شعرت بأن للمدينة وجهاً آخر لا يقل أهمية عن جمالها الطبيعي، وهو وجهها التاريخي والوطني. فمن هذه المنطقة انطلقت صفحات مشرقة من النضال الوطني الذي قاده الشيخ صالح العلي دفاعاً عن استقلال البلاد وكرامتها.

ومع اقتراب نهاية اليوم، أدركت أن الشيخ بدر ليست مدينة تحاول أن تبهر زائرها بالمظاهر الصاخبة، بل هي مكان ينجح بهدوئه وبساطته في أن يترك أثراً جميلاً في النفس.

غادرت الشيخ بدر وأنا أحمل معي صوراً كثيرة: جبالاً خضراء، وغابات لا تنتهي، وينابيع عذبة، ووجوهاً طيبة، وتاريخاً ما زال حاضراً في كل زاوية من زواياها.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عنها أنها مدينة تمنح زائرها شعوراً نادراً في هذا الزمن؛ شعوراً بأن الحياة ما زالت قادرة على أن تكون بسيطة وجميلة في آن واحد

 

 

 

 

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزير السياحة السوري خلال مشاركته في استقبال اول سفينة سياحية في مرفأ اللاذقية : تنشيط للقطاعين السياحي والاقتصادي وتعزيز للتعاون الإقليمي وتوسيع شبكة الربط البحري بين دول المنطقة

  أكد وزير السياحة مازن الصالحاني أن استئناف الرحلات البحرية السياحية يشكل خطوة مهمة نحو إعادة تنشيط الحركة السياحية البحرية وكسر الحاجز البحري بين سوريا ...