بقلم: القاضي المتقاعد حسين حمادة
مدير المركز السوري للدراسات القانونية
القاعدة الأساس في شغل وظائف الدولة هي: توصيف المهمة وفق الأسباب الموجبة لإحداثها، وتحديد شروط شاغليها بما يتلاءم مع طبيعة الوظيفة.
النظام السوري البائد لم يتقيد بهذه القاعدة، بل عبث بها، مما أفرغ المؤسسات من مضمونها.
وكان من بين ذلك الخلط، قصدًا، بين المجالس المحلية ومكاتبها التنفيذية من جهة، وبين مجلس الشعب أو السلطة التشريعية من جهة أخرى، حتى بدا وكأن المؤسسات المنتخبة تؤدي الوظيفة ذاتها، بينما الحقيقة أن لكل منها طبيعة قانونية مختلفة، واختصاصات مستقلة، وآلية تشكيل تتناسب مع المهام التي أُنشئت من أجلها.
• المكاتب التنفيذية: هي أجهزة تنفيذية محلية تُنتخب من أعضاء المجالس المحلية وفق قانون الإدارة المحلية، وتتولى إدارة الشؤون الخدمية والتنموية ضمن نطاق اختصاصها.
• أما مجلس الشعب: فهو المؤسسة التي تستمد شرعيتها من الانتخاب المباشر من الشعب، وتمارس اختصاصاتها وفق أحكام الدستور والنظام الداخلي للمجلس، ومنها المهام الدستورية في الرقابة على السلطة التنفيذية، وسن التشريعات، وتعديلها، وإلغاؤها، والمشاركة في رسم السياسات العامة للدولة.
لقد تعمّد النظام البائد طمس الحدود الفاصلة بين هاتين المؤسستين، سواء في طريقة تشكيلهما أو في طبيعة اختصاصاتهما، الأمر الذي أدى إلى تشويه دور كل منهما، وإضعاف التمييز بين الوظيفة التشريعية والوظيفة التنفيذية. كما أفضى هذا الخلط إلى تغييب المعايير القانونية والمؤسسية اللازمة لبناء مؤسسات فاعلة، وجعل آليات الانتخاب والتشكيل عاجزة عن إنتاج هيئات قادرة على الاضطلاع بالمهام التي أُنشئت من أجلها.
سورية اليوم تقف أمام أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخها الحديث. فهي لا تواجه أزمة سياسية فحسب، بل تعاني أيضًا من انهيار اقتصادي واجتماعي، ومن إرث تشريعي ضخم صيغ جانب كبير منه لخدمة الاستبداد، وتركيز السلطة، واحتكار الاقتصاد، وإضعاف سيادة القانون. ثم جاءت المرحلة الانتقالية بما رافقها من إعلان دستوري، وما أثاره من إشكالات قانونية، فضلًا عن الآلية المعتمدة في تشكيل المجلس التشريعي، وكل ذلك ساهم في إنتاج تعقيدات دستورية وتشريعية جديدة قد تنعكس سلبًا على مستقبل الدولة السورية.
من هنا، فإن معالجة هذا الإرث القانوني مسألة بالغة الأهمية، وتحتاج إلى هيئة تشريعية تمتلك من الكفاءة والخبرة ما يمكنها من القيام بهذه المهمة، وإعداد منظومة قانونية تسهم في الانتقال إلى مرحلة دستورية دائمة.
لذا أرى أن على القيادة الحالية التمييز، في التكوين، بين المجالس التنفيذية ذات الطابع التمثيلي، وبين المجلس التشريعي ذي الطبيعة السيادية والتشريعية، وهذا يقتضي القيام بثلاثة إجراءات:
1- إلغاء ما يسمى بوظائف معاوني المحافظين لعدم وجود هذه الوظائف في الهيكل الإداري للدولة، ومن ثم إعادة تشكيل مجالس المدن والمحافظات ومكاتبها التنفيذية وفق أحكام قانون الإدارة المحلية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /107/ لعام 2011.
2- العمل على استكمال تشكيل مجلس الشعب المؤقت وفق الصيغة الواردة في الإعلان الدستوري، على أن يقتصر اختصاصه وصلاحياته على المهام الدستورية والسياسية والرقابية، دون ممارسة الاختصاص التشريعي.
3- إنشاء مجلس تشريعي مؤقت متخصص يتكون من خمسين عضوًا من أصحاب الكفاءات العلمية والخبرات العليا في القانون والاقتصاد والعلوم السياسية والاجتماعية، على النحو الآتي:
• عشرة أعضاء يعينهم رئيس الدولة.
• عشرة أعضاء يعينهم مجلس الشعب.
• عشرة أعضاء تعينهم الحكومة.
• عشرة أعضاء يعينهم مجلس القضاء الأعلى.
• عشرة أعضاء تعينهم نقابة المحامين.
ويقتصر عمل هذا المجلس التشريعي على ما يلي:
• مراجعة وتعديل الإعلان الدستوري بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الانتقالية.
• تحديد وتعليق العمل بالقوانين والمواد القانونية التي كرست الاستبداد أو أعاقت التنمية وسيادة القانون.
• إعداد وإقرار القوانين الأساسية الخمسة التالية:
1. قانون مجلس النواب.
2. قانون الأحزاب السياسية.
3. قانون الانتخابات العامة.
4. قانون العزل السياسي.
5. قانون العدالة الانتقالية.
نعود ونكرر ما قلناه مرارًا:
إن هذه القوانين مجتمعة تمثل حجر الأساس لبناء دولة القانون، وتمهد لانتقال سياسي جاد ومستقر، شريطة أن تُبنى على أسس قانونية واضحة، يُراعى فيها ما يلي:
أولًا: قانون مجلس النواب
ينظم شكل السلطة التشريعية، سواء كانت من مجلس واحد أو مجلسين، ويحدد تشكيلها واختصاصاتها وضمانات استقلالها، ويكرس دورها في التشريع والرقابة والمساءلة والمشاركة في صناعة القرار الوطني، بعيدًا عن أي هيمنة تنفيذية أو أمنية.
ثانيًا: قانون الأحزاب السياسية
يؤسس لحياة حزبية حقيقية تقوم على التعددية، والتنافس السلمي، والشفافية المالية، والديمقراطية الداخلية، مع حظر إنشاء الأحزاب على أسس طائفية أو عرقية أو مناطقية أو عسكرية، حفاظًا على وحدة الدولة والمجتمع.
ثالثًا: قانون الانتخابات العامة
يمنح الشرعية للمؤسسات المنتخبة، ويضمن نزاهة الانتخابات وتكافؤ الفرص بين المرشحين، ويعتمد الدوائر الانتخابية المصغرة ونظام التمثيل النسبي، ويكرس الرقابة القضائية والاستقلال الإداري للعملية الانتخابية، بما يحقق تمثيلًا شعبيًا حقيقيًا يعكس إرادة السوريين.
رابعًا: قانون العزل السياسي
يمثل إحدى أدوات حماية المرحلة الانتقالية من إعادة إنتاج منظومة الفساد والاستبداد، بوصفه إجراءً قانونيًا مؤقتًا يهدف إلى منع عودة المتورطين في إفساد مؤسسات الدولة أو ارتكاب الانتهاكات الجسيمة إلى مواقع التأثير، ضمن ضمانات قضائية وقانونية تكفل العدالة وعدم التعسف.
خامسًا: قانون العدالة الانتقالية
يشكل المدخل الحقيقي لمعالجة آثار المرحلة السابقة، من خلال كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر، والمساءلة القانونية، واستعادة الثقة بالمؤسسات، وتحقيق المصالحة المجتمعية على أساس العدالة وسيادة القانون، إلى جانب تطوير المنظومة التشريعية، وتطهير مؤسسات الدولة من الفساد والانتهاكات.
السؤال
هل يمكن للقيادة الحالية استدراك ما تم العمل عليه خلال المرحلة الماضية، وإعادة توجيه مسار المرحلة الانتقالية بما ينسجم مع مبادئ بناء الدولة الحديثة، وذلك من خلال مسارين متوازيين هما:
أولًا: الإسراع في تشكيل المجالس المحلية المنتخبة في المدن والمحافظات، وما ينبثق عنها من مكاتب تنفيذية، لتتولى إدارة الشؤون المحلية وفق قانون الإدارة المحلية، بما يعزز المشاركة الشعبية ويخفف العبء عن السلطة المركزية.
ثانيًا: تشكيل هيئة تشريعية انتقالية تتمتع بالكفاءة والخبرة، تمكنها من الاضطلاع بوظيفة التشريع خلال المرحلة الانتقالية، وتمهد لإقرار الإطار الدستوري والقانوني اللازم للانتقال إلى المؤسسات الدائمة.
باعتقادي، عندها تصبح المرحلة الانتقالية حقًا جسرًا تعبر من خلاله سورية:
• من الشرعية المؤقتة إلى الشرعية الدستورية الدائمة.
• ومن إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات.
• ومن تركيز السلطات إلى توزيعها وفق مبدأ الفصل بين السلطات.
• ومن حكم الأشخاص إلى سيادة القانون.
• ومن الدولة التي تقوم على القرارات الاستثنائية إلى دولة تحكمها المؤسسات والقواعد الدستورية.
نأمل ذلك
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

