بقلم: علي نفنوف
دبي
لا ننظر إلى القمر بأعيننا، وإنما نصعد إليه بقلوبنا. إنه شلال هاطل من الضوء على كتف المساء، يحمل في جعبته ألف سؤال وسؤال. كلما أطل من نافذة السماء، أيقظ في الإنسان دهشة أقدم من اللغة، وأعمق من الذاكرة. فلا أحد يرفع رأسه إلى القمر ليحصي ملامحه، بل ليبحث في ضوئه عن شيء فقده ذات يوم، أو عن معنى لم تستطع الأرض أن تمنحه له. وربما لهذا بقي القمر، منذ فجر الحضارات، أكثر من جرم سماوي؛ ظل سؤالًا مضيئًا يسافر في قلوب البشر قبل أن يعبر سماءهم.
لذلك، لا يرفع الإنسان رأسه إلى القمر بدافع الفضول وحده، فقد يكون بدافع ذاكرةٍ قديمة تشكلت منذ اللحظة التي أدرك فيها أن السماء ليست سقفًا للكون، وإنما كتابٌ مفتوح للزمن. فمن بين جميع الأجرام السماوية، ظل القمر الأقرب إلى العين والخيال؛ لأنه يتغير دون أن يغيب، ويعود دون أن يفقد هويته، حتى أصبح رمزًا للدورة الأبدية التي تحكم الحياة.
قبل أن يولد علم الفلك، كانت الأجيال القديمة تجعل من القمر تقويمها الأول. راقب الفلاح أطواره ليحدد مواسم الزراعة والحصاد، واهتدى البحّار بضوئه في رحلاته، وربط الرعاة والمسافرون الليل بمنازله، بينما اعتمدت شعوب كثيرة على الهلال في حساب الشهور، ولا يزال التقويم الهجري شاهدًا على هذه العلاقة الوثيقة بين الإنسان والقمر. وقد أثبت العلم لاحقًا أن جاذبية القمر مسؤولة عن المد والجزر، وأن وجوده أسهم في استقرار ميل محور الأرض، وهو ما حافظ على انتظام الفصول واستقرار المناخ عبر ملايين السنين.
وحين عجز الإنسان القديم عن تفسير هذا الجرم المتبدل، نسج حوله الأساطير والمعتقدات، وصار قسمًا يحلف به البعض؛ نظرًا لعظمته وارتقائه أعلى طبقات السماء.
فأبدع العرب في أسمائه.
ولم تكتفِ العربية باسم واحد للقمر، فقد راقبت أطواره ومنحته أسماءً تعكس حركته وجماله؛ فهو الهلال عند الميلاد، ثم الطالع، والوليد، والنامي، والمتزايد، فالتربيع الأول، والأحدب، والبدر، وبدر التمام، ثم الأحدب الثاني، والتربيع الثاني، والمتناقص، والسرار، حتى يبلغ المحاق. كما وصفه العرب بأسماء مثل الزاهر، والأزهر، ونير الليل، وسراج السماء، وبدر الدجى.
قصائد ترسم القمر بريشة القلوب
ولذلك احتل القمر مكانة رفيعة في الشعر العربي، فكان صورةً للجمال والكمال.
ولم يكتفِ الشعراء بوصف القمر، إنما جعلوه مرآةً لمشاعرهم ورؤيتهم للعالم. فقد استحضره امرؤ القيس في معلقته شاهدًا على طول الليل ووحشة الانتظار، حين قال: “وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله..”،فجاء القمر جزءًا من المشهد الذي يضاعف الإحساس بالوحدة والترقب. أما المتنبي، فقد جعله مقياسًا للجمال والكمال، فغدا البدر في شعره صورةً للممدوح وعلو مكانته.
/يا بدرُ إنك والحديثُ شجونُ
من لم يكن لمثاله تكوينُ/
وفي الشعر المعاصر تتبدل الرموز بتبدل أسئلة الإنسان؛ ففي ديواني “قميص على قصب الخليج” كتبت على غلافه صورةً مغايرةً للقمر، إذ لم يعد وجهًا للحبيبة ولا رمزًا للهيام، بل تحول إلى رغيف خبز في عيون الجياع:
“سأكتب على جدران قريتي: يسقط القمر… منذ شاهدت الجياع يرسمونه رغيفًا، وينامون عراة.”
وهكذا انتقل القمر من رمز للجمال إلى رمز للكرامة الإنسانية، ليعكس تحولات الوعي الشعري عبر العصور.
ولم يكن الرسم أقل تعلقًا بالقمر من الشعر. فقد وجد الفنانون في ضوئه مساحةً للتأمل والغموض، فحضر في أعمال كبار الرسامين عنصرًا بصريًا وروحيًا في آن واحد. ومن أشهر هذه الأعمال لوحة “ليلة النجوم” لفنسنت فان غوخ، حيث بدا القمر كتلةً نابضةً بالحركة وسط سماء تعج بالنجوم. ورسمه كاسبر دافيد فريدريش في لوحاته الرومانسية رمزًا للصمت والتأمل، بينما جعله جيمس مكنيل ويسلر محورًا لمشاهد ليلية يغلب عليها الضباب والسكون. وهكذا، كما ألهم القمر الشعراء استعاراتهم، ألهم الرسامين لغةً بصرية جعلت منه رمزًا للجمال، والحنين، والوحدة، والأمل.
القمر.. والأسطورة
ولأن القمر ظل بعيدًا عن متناول اليد، وقريبًا من متناول الخيال، فقد ملأت الشعوب هذا الفراغ بالحكايات. فما عجز العلم القديم عن تفسيره، تولّت الأسطورة شرحه، فصار القمر مرةً عاشقًا، ومرةً منفى، ومرةً شاهدًا على تضحية، ومرةً أثرًا لمعركة سماوية. ولم يكن غريبًا أن تكاد كل حضارة ترى فيه قصة تخصها، وكأن البشر جميعًا كانوا ينظرون إلى القرص نفسه، لكن كل أمة كانت ترى انعكاس روحها عليه.
عند الإغريق
كانت إلهة القمر سليني تعبر السماء كل ليلة في عربة تجرها جياد بيضاء، تنثر ضوءها على الجبال والوديان. وذات ليلة وقعت عيناها على الراعي الجميل إنديميون، وهو نائم فوق جبل لاتموس، فأحبته حبًا خافتًا يشبه ضوء القمر نفسه. لكنها كانت تعلم أن الزمن سيخطف جماله، فرفعت دعاءها إلى كبير الآلهة أن يمنحه نومًا لا يوقظه الموت ولا يبليه العمر. استجاب لرجائها، فظل إنديميون نائمًا إلى الأبد، محتفظًا بشبابه، بينما كانت سليني تهبط كل ليلة لتتأمل وجهه في صمت. وتروي بعض الروايات أنهما أنجبا خمسين ابنة، قيل إنهن يمثلن الأشهر القمرية في الدورات الأولمبية القديمة، وكأن الإغريق أرادوا أن يجعلوا الزمن نفسه ثمرةً لذلك الحب المستحيل.
أما في الصين
فإن القمر ليس موطن عاشق، بل موطن امرأة دفعت ثمن الخلود بالوحدة. فقد ظهر في السماء، بحسب الأسطورة، عشرة شموس أحرقت الأرض، فخرج الرامي العظيم هو يي، وأسقط بتسعة سهامه تسع شموس. ومكافأةً له مُنح إكسير الخلود. غير أن زوجته تشانغ آه شربت الإكسير قبل أن يقع في يد شرير، فارتفع جسدها نحو السماء حتى استقر على القمر، حيث بقيت تعيش إلى الأبد مع الأرنب اليشمي الذي لا يتوقف عن طحن الأعشاب لصناعة دواء الخلود. وما زال الصينيون حتى اليوم، في عيد منتصف الخريف، يجتمعون تحت ضوء القمر، وكأنهم يحيّون تلك المرأة التي دفعتها التضحية إلى عزلة أبدية.
وفي اليابان
اتخذ القمر صورةً أكثر صرامة. فقد كان تسوكويومي، إله القمر، رسولًا إلى إلهة الطعام، التي استقبلته بمائدة أخرجت طعامها من فمها وأنفها وفق المعتقد القديم. اشمأز الإله من المشهد، فقتلها، فغضبت إلهة الشمس أماتيراسو، ورفضت أن تلتقيه بعد ذلك. ومنذ تلك القطيعة الأزلية افترق طريق الشمس عن طريق القمر، فلا يجتمعان في السماء، وأصبح تعاقب الليل والنهار، في المخيلة اليابانية، نتيجة خصام بين أخوين سماويين.
أما شعوب شرق آسيا
فكلها تتفق على حكاية أخرى لا تزال مرئية في ظلال القمر. فقد تنكر أحد الآلهة في هيئة رجل فقير، وطلب الطعام من الحيوانات. فجلب الثعلب والقرود ما استطاعوا، أما الأرنب فلم يجد ما يقدمه، فاختار أن يهب جسده نفسه، وألقى بنفسه في النار ليكون طعامًا لذلك الغريب. أعجب الإله بتلك التضحية النادرة، فأنقذه ورفع صورته إلى القمر لتظل خالدة، ولذلك ما زال كثيرون يرون في البقع الداكنة على سطح القمر هيئة أرنب يحمل مدقة يطحن بها أعشاب الخلود.
أسطورة الأزتك
وعلى الجانب الآخر من العالم، لدى الأزتك، لم يكن القمر رمزًا للحب أو الخلود، بل أثرًا لمعركة سماوية دامية. فقد قادت كويولشاوكي إخوتها لمحاربة أمها بعدما حملت بصورة معجزة، لكن قبل أن تكتمل المعركة وُلد الإله المحارب هويتزيلوبوتشتلي كامل السلاح، فانقض على أخته، وقتلها وقطع جسدها، ثم ألقى رأسها في السماء. ومنذ ذلك الحين صار رأسها هو القمر، بينما تحول إخوتها إلى نجوم، ولذلك اعتقد الأزتك أن القمر يحمل ندوب تلك المعركة، وأن الشمس لا تزال تنتصر عليه كل صباح، فيتراجع حتى يعود من جديد مع حلول الليل.
وهكذا، مهما اختلفت اللغات والديانات والحضارات، بقي القمر الصفحة البيضاء التي كتبت عليها الإنسانية أعمق أسئلتها. فمن رآه عاشقًا، ومن رآه منفى، ومن رآه شهيدًا، ومن رآه ساحة حرب، كان في الحقيقة يكتب شيئًا عن الإنسان نفسه أكثر مما يكتب عن القمر. وربما لهذا السبب، كلما رفعنا رؤوسنا إليه، لا نبحث عن جرم يدور في الفضاء، إنما عن قصة قديمة لا تزال تسكن أعماقنا منذ أول ليلة نظر فيها إنسان إلى السماء





(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

