آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » حين تصبح كثرة المقالات سبباً في ضياع الفكرة: من تعدد الأقلام إلى تكامل المعرفة

حين تصبح كثرة المقالات سبباً في ضياع الفكرة: من تعدد الأقلام إلى تكامل المعرفة

 

 

بقلم: المهندس محمود محمد صقر

 

اتوجّه بهذا المقال لأسرة تحرير موقع “أخبار سوريا الوطن”بعد أن قرأت ماكتبته الدكتورة المهندسة بتول عيسى امس تحت عنوان “إعادة إعمار سوريا.. رؤية متكاملة للإنسان والمكان والاقتصاد والتعليم والتراث”وفي ضوء متابعتي الحثيثة لكل ماينشره كتاب الموقع وكوني احدهم

 

نعيش اليوم مفارقة تستحق أن نتوقف عندها.

 

لم يعد النقص في الأفكار هو المشكلة، ولا قلة الكتّاب، ولا غياب الرغبة في المشاركة في النقاش العام. على العكس، تكاد المواد المنشورة تتدفق كل يوم في السياسة والاقتصاد والإعمار والتعليم والإدارة والثقافة والتاريخ، حتى أصبح القارئ أمام وفرة معرفية لم تكن متاحة له من قبل.

 

لكن الوفرة، إذا لم تُنظَّم، قد تتحول من نعمة إلى عبء.

 

فالقارئ الذي تصله عشرات المقالات يومياً لا يستطيع أن يقرأها جميعاً، وحين تتزاحم الموضوعات المختلفة في مساحة واحدة، يمر المقال، مهما كانت قيمته، ثم يأتي الذي بعده، حتى تضيع الأفكار الجيدة داخل كثرة النشر نفسها.

 

وهنا أعتقد أن علينا أن نسأل سؤالاً مختلفاً:

 

هل وظيفة الصحيفة أو الموقع أن ينشر أكبر عدد ممكن من المقالات، أم أن يبني معرفةً تتراكم لدى القارئ؟

 

الفرق بين الأمرين كبير.

 

فالنشر يجمع المقالات، أما المعرفة فتحتاج إلى خيط يجمع الأفكار.

 

وقد قرأت أمس في الموقع مقالاً للدكتورة المهندسة بتول عيسى بعنوان: “إعادة إعمار سوريا.. رؤية متكاملة للإنسان والمكان والاقتصاد والتعليم والتراث”،فتوقفت عند فكرته الأساسية؛ ليس لأن موضوع إعادة الإعمار جديد، بل لأن المقال جمع في مساحة واحدة ملفات اعتدنا أن نتناولها منفصلة: الإنسان، والعمران، والاقتصاد، والتعليم، والريف، والتشريع، والآثار، والسياحة، والهوية.

 

وأعادني ذلك إلى فكرة شغلتني طويلاً في الكتابة وفي العمل الهندسي والإداري:

 

ليست مشكلتنا دائماً في غياب الاختصاص، بل كثيراً ما تكون في غياب العلاقة بين الاختصاصات.

 

لدينا مهندس يعرف عمله، واقتصادي يعرف حقله، وخبير مياه، ومختص بالزراعة، وقانوني، وأستاذ جامعي، وإداري، ومخطط، وباحث اجتماعي.

 

كل واحد منهم قد يرى جزءاً من الحقيقة بوضوح شديد.

 

لكن من يرى الصورة كاملة؟

 

خذوا قراراً يبدو بسيطاً: إنشاء سدود تجميعية لمواجهة أزمة المياه المقبلة.

 

الفكرة صحيحة.

 

المهندس يستطيع تصميم السد، والجهة المنفذة تستطيع بناءه، والتمويل يمكن تدبيره.

 

لكن ماذا لو كانت أودية أحواض التجميع نفسها تستقبل مياه الصرف الصحي للقرى المحيطة؟

 

عندئذٍ لم يكن الخطأ في تصميم السد، ولا في تنفيذ القرار.

 

الخطأ حدث قبل القرار.

 

لأن المعرفة اللازمة لاتخاذه لم تجتمع على طاولة واحدة.

 

كان يجب أن يجلس اختصاصي المياه إلى جانب البيئة والصرف الصحي والتخطيط العمراني والإدارة المحلية والزراعة والاقتصاد، قبل أن تتحول الفكرة إلى مشروع.

 

فالعقل يصنع الأدوات، لكن الحكمة هي التي تجمع ما يترتب على استعمال الأدوات قبل استخدامها.

 

ومن هنا أصل إلى ما أعتقد أنه يستحق أن تفكر فيه أسرة التحرير نفسها.

 

لماذا لا نطبق على الصحافة الفكرية المبدأ ذاته؟

 

لدينا كتّاب كثيرون، وكل منهم يمتلك خبرة أو اهتماماً أو زاوية نظر، لكن المقالات تظهر غالباً منفردة: مقال عن التعليم، وآخر عن الاقتصاد، وثالث عن الإدارة، ورابع عن المياه، وخامس عن إعادة الإعمار.

 

ثم تختفي جميعها شيئاً فشيئاً في أرشيف متضخم.

 

لماذا لا نصنف أنفسنا نحن الكتّاب بحسب حقول الاختصاص والخبرة والاهتمام؟

 

ليس لوضع الناس في صناديق مغلقة، ولا لمنع المهندس من الكتابة في التاريخ أو الطبيب من التفكير في الاجتماع، وإنما لكي تعرف هيئة التحرير أين توجد المعرفة التي نمتلكها.

 

يمكن أن تتشكل دوائر واضحة: إعادة الإعمار والتخطيط، الاقتصاد والتنمية، الإدارة والمؤسسات، التعليم والبحث العلمي، الزراعة والمياه، المجتمع والتحولات السكانية، الثقافة والتاريخ والتراث، وغيرها.

 

وعندما تظهر قضية وطنية كبرى، لا ننتظر عشرين مقالاً منفصلاً عنها.

 

بل نسأل أصحاب الاختصاصات المختلفة السؤال نفسه.

 

عندها يصبح الموقع نفسه مساحةً للحوار بين المعارف.

 

يكتب المهندس ما يراه، ويقرأ الاقتصادي أثره، ويضيف عالم الاجتماع ما غاب عنهما، ويراجع القانوني إمكان التنفيذ، ثم يأتي الإداري ليسأل: كيف تتحول كل هذه المعرفة إلى مؤسسة وقرار؟

 

هنا لا يعود المقال نهاية الفكرة.

 

يصبح بدايةً لها.

 

وهذا، في اعتقادي، ما نحتاج إليه في سوريا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

 

فنحن أمام بلد لا يحتاج إلى إعادة بناء الحجر وحده، وإنما إلى إعادة وصل ما انقطع بين المعرفة والقرار، وبين الجامعة والمؤسسة، وبين الخبير وصانع السياسة، وبين التجربة الفردية والذاكرة الوطنية.

 

وقد قلت في سياق آخر إن القرار لا يصنعه ذكاء فرد، مهما بلغت خبرته، بل يصنعه حوار التخصصات والبيانات والتجارب والمراجعة والمساءلة.

 

وما ينطبق على الدولة ينطبق، بصورة أصغر، على المؤسسة الإعلامية والفكرية.

 

فالصحيفة تستطيع أن تكون أكثر من مكان للنشر.

 

تستطيع أن تصبح بنكاً للأفكار والخبرات.

 

تعرف كتّابها، وتصنف خبراتهم، وتربط المقالات المتصلة بعضها ببعض، وتفتح الملفات الكبرى على مدى أسابيع أو أشهر، ثم تستخرج من عشرات المقالات المتفرقة خلاصاتٍ معرفية يمكن أن تصل إلى الباحث والجامعة والمسؤول وصانع القرار.

 

وبذلك لا يعود معيار النجاح:

 

كم مقالاً نشرنا اليوم؟

 

بل:

 

ماذا بقي في عقل القارئ مما نشرناه؟

 

فالقراء أيضاً لهم طاقة محدودة، وليس من الإنصاف أن نحمّلهم مسؤولية البحث كل يوم بين عشرات المواد عن الخيط الذي يربط بينها.

 

هذه إحدى وظائف التحرير نفسها.

 

أن ترى العلاقة بين ما يبدو منفصلاً.

 

وأن تحول تراكم النصوص إلى تراكم في المعرفة.

 

وأن تجعل الكاتب يعرف أن فكرته لن تختفي بعد أربع وعشرين ساعة تحت عشرات العناوين الجديدة، بل ستجد مكانها داخل ملف أكبر يستكملها كاتب آخر، ويناقشها ثالث، وربما يحولها رابع إلى اقتراح قابل للتطبيق.

 

عندها فقط تبدأ المقالات في التحول من أصوات متجاورة إلى عقل جماعي.

 

وهنا أعود إلى إعادة الإعمار.

 

إذا كنا نطالب بأن ننظر إلى الإنسان والمكان والاقتصاد والتعليم والتشريع والتراث بوصفها أجزاءً من مشروع واحد، فلا بد أن تكون طريقة تفكيرنا نفسها قادرة على جمع هذه الأجزاء.

 

فالمشكلة ليست أن الحبات قليلة.

 

الحبات كثيرة، وبعضها ثمين جداً.

 

ما نفتقده أحياناً هو الخيط الذي يجمع حبات المسبحة.

 

وقد تكون الصحافة، إذا أعادت تنظيم علاقتها بكتّابها واختصاصاتهم وبالمعرفة التي تنتجها، واحدةً من الأماكن التي يبدأ منها هذا الخيط.

 

لأن الأوطان لا تعاني دائماً من نقص العقول.

 

أحياناً تكون العقول كلها موجودة…

 

لكنها لم تجلس بعد حول الطاولة نفسها

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

علّمني “هداك المرض” الكثير.. ولهذا سأستمر بالشكر 

      كتبت: ازدهار نمر رسلان   سأستمرّ بالشكر، لكن هذه المرة شكري إلى ذاك المرض الخبيث الذي لا يجرؤ أحد على ذكر اسمه، ...