أسيمة حسن
كان يعود من المدرسة قبل أن تفرغ الشمس آخر ما في جعبتها من ذهب. يضع الكيس الذي يحمل فيه كتبه عند عتبة البيت، فلا يجد وقتًا لفتح كتاب؛ فقد كانت أسرته قد أعدّت له المواشي التي تعتاش منها، تنتظر خروجه بها إلى المراعي. فيحمل عصاه، ويمضي خلفها حتى يبتلع المرعى بقية نهاره.
وإذا وجد ظل شجرة، جلس قليلًا، وأخرج كتابه، وحاول أن يسرق من النهار صفحة.
وعند الغروب، يعود إلى بيتٍ مزدحم بأسرة كبيرة وضيوف كثر. ربما يجد زاوية يجلس فيها، وربما لا يجد. كان يسكن في الريف الفسيح، حيث تمتد الأرض حتى الأفق، ومع ذلك كان المكان يضيق به.
كان صغيرًا على هذا التعب، وربما صغيرًا على أحلامه أيضًا. لكن في داخله شيئًا كان يقول: سأصل.
من مثل هذه البيئات الريفية السورية خرجت أسماء رفعت اسم بلادها في الأدب والفكر والعلم. ليس لأن الفقر يصنع العظماء؛ فالفقر قد يقتل الحلم قبل أن يولد. لكن المشقة كانت تمنح بعضهم درسًا لا يُدرّس في المدارس: أن الأشياء التي تستحق الوصول تحتاج إلى نفس طويل.
كانوا يعرفون معنى الانتظار، والعمل قبل الراحة، والفشل ثم المحاولة من جديد.
أما نحن، فقد بنينا عالمًا يختصر كل شيء: المعلومة في لمسة، والطعام عند الباب، والترفيه لا ينتهي. صارت السهولة نعمة، لكنها قد تتحول إلى إدمان.
نريد النجاح بلا سنواته، والمعرفة بلا قراءة، والقوة بلا تدريب، والثمرة بلا انتظار.
المشكلة إذن ليست في أن نجعل حياة أبنائنا أسهل، بل في أن نجعلهم عاجزين أمام ما لا يمكن تسهيله.
لا نحتاج إلى إعادة الفقر أو الحرمان، وإنما إلى أن نترك في حياتهم مساحة للمحاولة، والانتظار، والفشل، والعمل الطويل.
فذلك الطفل الذي لم يجد مكانًا يجلس فيه، وجد مكانًا آخر لحلمه.
وكان يعرف، دون أن يدري، أن المكان قد يضيق بالإنسان… لكن الحلم لا يجب أن يضيق
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

