بقلم: القاضي المتقاعد حسين حمادة
مدير المركز السوري للدراسات القانونية
ليست نقابات المهن العلمية (المحامين، المهندسين، الأطباء، الصيادلة، أطباء الأسنان، الفنانين… إلخ) مجرد مؤسسات تُعنى بشؤون منتسبيها، وإنما هي إحدى الركائز الأساسية للمجتمع المدني، والمدرسة الأولى التي يتعلم فيها المواطن ممارسة الديمقراطية، وتحمل المسؤولية، والمشاركة في إدارة الشأن العام. فكل دولة حديثة تبدأ ببناء مؤسسات مستقلة، وكل مجتمع ديمقراطي يبدأ بإطلاق إرادة أفراده.
أنظمة هذه النقابات – في سورية – قامت، من حيث الشكل، على مبدأ الانتخاب الديمقراطي، إذ تتولى الهيئات العامة انتخاب أعضاء مجالس الفروع، كما تنتخب ممثليها إلى المؤتمر العام، الذي ينتخب بدوره مجالس النقابات المركزية.
ورغم أن هذه الأنظمة تعكس مبدأ التداول السلمي للمسؤولية، وتؤكد أن الشرعية النقابية لا تُستمد إلا من إرادة أعضاء النقابة، فإنها تضمنت نصوصاً كرّست مبدأ هيمنة حزب البعث على هذه النقابات، ووصاية السلطات التنفيذية على أعمالها.
ولا خلاف على أحقية القيادة السورية الجديدة في اتخاذ إجراءات استثنائية، من بينها حل بعض المجالس النقابية وتعيين مجالس انتقالية لتسيير الأعمال. فهذه الإجراءات مبررة في مرحلة الضرورة، لكن الضرورة بطبيعتها مؤقتة، ولا يجوز أن تتحول إلى قاعدة دائمة، وإلا فقدت مبررها القانوني والسياسي.
واليوم، وبعد مرور أكثر من عام ونصف على حل مجالس النقابات وفروعها، وتعيين مجالس بديلة، لم يعد هناك ما يبرر استمرار المرحلة الانتقالية داخل النقابات. بل أصبح من الواجب الانتقال إلى الوضع الطبيعي، من خلال تعليق جميع النصوص القانونية التي فرضت الوصاية الحزبية والتنفيذية على العمل النقابي، وإعادة السلطة إلى أصحابها الحقيقيين: أعضاء النقابات أنفسهم، عبر انتخابات حرة، نزيهة، ودورية.
وتُثار في مواجهة هذا المطلب بعض الاعتراضات، من أشهرها القول إن فتح باب الانتخابات سيؤدي إلى فوز من ارتبطوا بالنظام السابق أو بما يسمى “الشبيحة”
هذا القول لا يقوم على أساس سليم؛ لأنه يختزل عشرات الآلاف من المهنيين السوريين في صورة رسمتها عقود من القمع والهيمنة، ويتجاهل أن النقابات لم تكن طوال العقود الماضية تعبّر عن إرادة أعضائها، بل كانت خاضعة لهيمنة حزب البعث والأجهزة الأمنية، التي صادرت القرار النقابي وفرضت قياداته بعيداً عن الإرادة الحرة. ولا يجوز أن يبقى المهنيون جميعاً أسرى لهذا الإرث، أو أن يُحرموا من حقهم الديمقراطي بسبب تصرفات أقلية فرضتها السلطة السابقة.
ويُقال أيضاً إن الديمقراطية تحتاج أولاً إلى ثقافة ديمقراطية.
غير أن التاريخ يعلمنا عكس ذلك؛ فالثقافة الديمقراطية لا تُصنع بانتظار الديمقراطية، وإنما تُولد من ممارستها وتكرار ممارستها. فلا يمكن لشعب أن يتعلم السباحة وهو واقف على الشاطئ، كما لا يمكن لمجتمع أن يتعلم الديمقراطية وهو ممنوع من ممارستها. فالانتخابات ليست نهاية الطريق، بل هي بدايته، والأخطاء التي قد ترافقها تُصحح بصناديق الاقتراع في الدورة التالية، لا بحرمان الناس من حقهم في الاختيار.
بتقديري، فإن السبب الحقيقي وراء كثير من الدعوات إلى تأجيل الانتخابات النقابية ليس غياب الجاهزية، وإنما ضعف الثقة بالديمقراطية نفسها، أو الخوف من نتائجها. لكن الديمقراطية لا تكون ديمقراطية إذا قبلنا بها عندما تأتي بمن نريد، ورفضناها عندما يحتمل أن تأتي بغيرهم.
يا سادة،
لقد خرج السوريون مطالبين بالحرية والكرامة ودولة القانون، وكانت الديمقراطية في صميم هذه المطالب، ولذلك فإن أول امتحان حقيقي لهذه المبادئ يبدأ من احترام حق الناس في اختيار ممثليهم، لا من البحث عن المبررات لتأجيل هذا الحق.
من هنا، فإن النقابات المهنية تمثل البيئة الأنسب لاستئناف الحياة الديمقراطية في سورية. فهي تضم النخب العلمية والمهنية، وتملك خبرة مؤسسية، وقادرة على تقديم نموذج حضاري لإدارة الانتخابات واحترام نتائجها. وإذا نجحت التجربة داخل النقابات، فإنها ستشكل خطوة عملية نحو ترسيخ الديمقراطية في سائر مؤسسات الدولة.
باعتقادي،
آن الأوان لأن تعود النقابات مؤسسات مستقلة، حرة، تعبّر عن إرادة أعضائها، وأن يكون الاحتكام إلى صناديق الاقتراع هو المصدر الوحيد للشرعية النقابية، شرط تعليق العمل بالنصوص القانونية التي تكرس وصاية الحزب والسلطة.
“فلنبدأ، فالديمقراطية لا تُولد كاملة، وإنما تنمو بالممارسة، وتترسخ بالثقة، وتحيا بالإرادة الحرة.”
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

