بقلم: المهندس محمود محمد صقر
انتهت الحلقة السابقة بسؤال بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه يمثل أحد أكثر أسئلة الجيوبوليتيك تعقيدًا:
كيف تدفع القوى الكبرى الأقاليم الجيوسياسية إلى أقصى درجات الضغط، دون أن تسمح بانهيارها؟
في بعض البيئات الجيوسياسية، تبدو حركة القوى الكبرى أشبه بالسير على حدّ السكين؛ اقترابٌ دائم من نقطة الانفجار، من دون السقوط فيها. فالتصعيد لا يُترك حتى يتحول إلى حرب شاملة، ولا يُحتوى مبكرًا بحيث يفقد أثره، بل يبقى ضمن هامشٍ دقيق يُستخدم لإعادة ضبط ميزان القوى كلما اقترب من الاختلال.
إذا كانت الجغرافيا ترسم القوس، فإن السياسة هي التي تمنحه الحركة.
غير أن هذه الحركة لا تتجه دائمًا نحو الحرب، ولا تستقر دائمًا عند السلام، بل تبقى معلقة بينهما، في مساحة تتحول فيها القوة إلى وسيلةٍ لإدارة التوازن أكثر من كونها أداةً للحسم.
يرتفع الضغط حتى يلامس حدود الاختلال، ثم تُفتح أبواب الوساطة.
تقترب الأطراف من الهاوية، ثم يُترك لها متسعٌ للعودة.
ليس لأن الحرب مستحيلة، بل لأن أخطر ما قد يحدث هو فقدان القدرة على التحكم بمسارها.
ولعل أوضح صور ذلك قوسٌ جيوسياسي يمتد من سواحل المحيط الأطلسي، مرورًا بالبحر المتوسط، والمضائق الاستراتيجية، والخليج العربي، والمحيط الهندي، وصولًا إلى الممرات البحرية في شرق آسيا.
في هذا الامتداد، لا تتحرك الجغرافيا بوصفها خرائط متجاورة، بل منظومة واحدة؛ فإذا اضطربت إحدى حلقاتها، امتد أثرها إلى سائر الحلقات، لأن ما يجمعها ليس البحر وحده، بل شبكة معقدة من المصالح، والطاقة، والتجارة، والأمن، وموازين القوة.
ولهذا لا تُدار هذه الجغرافيا نقطةً بنقطة، بل قوسًا كاملًا، يصبح فيه كل مضيق، وكل ممر، وكل عقدة اتصال، أداةً لإعادة معايرة التوازن، لا مجرد موقع على الخريطة.
إنها معادلة دقيقة…
يبقى فيها الردع قائمًا، لكنه لا ينفلت.
وتظل الحرب احتمالًا، لكنها لا تصبح قدرًا.
ويظل السلام ممكنًا، لكنه لا يتحول إلى نهاية.
ففي الجيوبوليتيك، لا يكون التحدي الأكبر هو خوض الحرب، بل منع اختلال ميزان القوة إلى الحد الذي تصبح معه نتائج الصراع خارج قدرة الجميع على الاحتواء.
وهكذا، لا يعود حدّ السكين فاصلًا بين الحرب والسلام، بقدر ما يصبح الحد الفاصل بين توازنٍ ما زال قابلًا للإدارة… وتوازنٍ خرج من يد الجميع.
غير أن بقاء التوازن لا يتحقق بالقوة وحدها.
فما الأدوات التي تُبنى بها التوازنات؟ وكيف تتداخل فيها الجغرافيا، والطاقة، والاقتصاد، والتحالفات، والأمن؟
ذلك ما سنحاول قراءته بهدوء في الحلقة القادمة
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

