ماغي عنيد
في مجموعة (The Ball of Untamed Dreams)، قدّم إيلي صعب عرضاً تحرّرت فيه الأحلام من القيود وكل ما هو مألوف، وأصبحت المخيّلة القوّة التي ترسم ملامح الأزياء، محوّلاً الخياطة الراقية إلى رؤية أشبه بحفلٍ راقص على مسرح، يروي قصّةً تسافر بنا إلى عالم مليء بالفن والجمال، تجلّت فيه أسمى أشكال الفخامة والإبداعات الراقية.
في عالم الهوت كوتور، لا يكفي أن تكون التصاميم جميلة بل يجب أن تروي حكاية، وهذا ما فعله إيلي صعب في مجموعة خريف وشتاء 2026/2027.
تصاميم تحفّز المخيّلة
لطالما كان اسم المبدع اللبناني مرادفاً للفخامة المترفة، والتطريزات الاستثنائية، والفساتين التي تتألق على السجّادة الحمراء. لكن في مجموعة الأزياء الراقية للشتاء، بدا واضحاً أن دار إيلي صعب لم تعد تكتفي بإبهار العين، بل سعت إلى تحفيز مخيّلة الحضور.
منذ اللحظة الأولى للعرض، شعر الحاضرون بأنهم دخلوا فضاءً تتوارى فيه الحدود بين الحقيقة والحلم. كانت كل إطلالة بكل تفاصيلها جزءاً من قصّة تتكشف بهدوء، لتؤكد أن الهوت كوتور لا يزال يملك قدرة الإبهار.
من مبتكر فساتين السجّادة الحمراء… إلى راوي حكايات
عرف العالم إيلي صعب لعقود من خلال فساتينه التي اختارتها النجمات في أهم المناسبات العالمية، لكن هذه المجموعة تكشف جانباً آخر من شخصيته الإبداعية.
فالتركيز لم يعد منصبّاً على الفستان وحده، بل على العالم الذي يولد منه الفستان. هنا، تتحوّل الأزياء إلى شخصيات، والأكسسوارات إلى عناصر سردية، والإضاءة إلى شريك في التصميم، في تجربة أقرب إلى عمل فني متكامل منها إلى عرض موسمي.
هذه المقاربة تعكس تطوّراً لافتاً في فلسفة الدار، حيث أصبحت الفكرة هي نقطة البداية، بينما تأتي التقنيات الاستثنائية في خدمة تلك الرؤية.
الأقمشة تتحرك… والضوء يرسم ملامحها
من أكثر ما يلفت في هذه المجموعة أن القماش لم يُستخدم لنحت خطوط الجسم فحسب، بل بدا كأنه يكتسب حياة خاصة.
الأورغانزا، التول، الحرير، والمخمل، انسابت في تشكيلات منسدلة تارة وتتفتح مثل الأزهار، وطوراً معمارية أو شفّافة، فيما كان للضوء دور أساسي في إبراز جمال الخامات. ومع كل حركة، كانت الألوان تكشف وجهاً جديداً لها؛ الليلكي لامس الفضي، والأزرق ذاب في الوردي الضبابي، فيما فرض العنابي والأسود حضورهما بعمق منح الإطلالات طابعاً مهيباً. أمّا درجات الشمبانيا والذهبي الفاتح فأضاءت المشهد بلمسات حالمة.
هذا الانتقال اللوني منح المجموعة بعداً سينمائياً، وكأن الضوء نفسه أصبح جزءاً من تصميم الفستان.
أنوثة أكثر قوة
لم يتخلَّ إيلي صعب عن الرومانسية التي صنعت شهرته، لكنه منحها هذا الموسم حضوراً أكثر صلابة.
الكورسيهات المنحوتة أعادت إبراز الخصر بأسلوب هندسي، والأكتاف البارزة أضفت حضوراً شامخاً، بينما جاءت الذيول الطويلة لتؤكد الطابع الدرامي للمجموعة. في المقابل، حافظت القصّات المنسدلة الشفافة والمزدانة بالتطريزات الدقيقة على النعومة التي لطالما ميّزت تصاميم الدار.
مجموعة إيلي صعب للخياطة الراقية لخريف وشتاء 2026/2027 (إنستغرام)
مجموعة إيلي صعب للخياطة الراقية لخريف وشتاء 2026/2027 (إنستغرام)
حتى بدلات التوكسيدو، التي ظهرت ضمن العرض في تصميم مخصّص للنساء وأيضاً في شكل محدّد للرجال، كانت إعلاناً بأن الأناقة الراقية يمكن أن تتجسّد بأشكال متعدّدة، بعيداً من القوالب التقليدية.
التفاصيل… حيث تكمن قوّة المجموعة
في هذه المجموعة، لا توجد قطعة ثانوية.
أغطية الرأس المنحوتة عناصر لم تُستخدم للزينة، بل للمشاركة في بناء الهويّة البصرية للعرض. في حين، حوّلت الأقنعة المبتكرة العارضات إلى شخصيات مسرحية غامضة، وكأن كل واحدة منهن تخفي حكاية مختلفة خلف ملامحها.
بدورها التطريزات، جاءت أشبه برسمٍ يدوي دقيق، حيث انتشرت اللآلئ والكريستالات والترصيعات المعدنية فوق الأورغانزا والتول والمخمل والحرير، لتمنح كل قطعة عمقاً بصرياً يتبدل مع كل خطوة.
حتى الأكسسوارات بدت امتداداً للفستان، لا إضافة إليه، وهو ما منح كل إطلالة شخصية مستقلة وحضوراً يصعب نسيانه.
فستان الزفاف قصيدة من الضوء
احتفظ إيلي صعب بأكثر لحظات العرض تأثيراً حتى الختام.
فستان الزفاف لم يعتمد على المبالغة، بل على نقاء التفاصيل. كورسيه منحوت يلتقط الضوء بانعكاسات ناعمة، وتنّورة تتدرج بين اللون الشمباني والذهبي الفاتح وبريق الكريستال، لتبدو العروس كأنها تسير داخل هالة من النور.
إنه تصميم يختصر فلسفة المجموعة بأكملها؛ فخامة هادئة، وأناقة لا تحتاج إلى صخب، وحضور يترك أثره.
هل تمثل هذه المجموعة نقطة تحوّل في مسيرة إيلي صعب؟
الدار لم تتخلَّ عن بصمتها المعروفة في التطريز والحرفية، لكنها وسّعت حدودها الإبداعية، وابتعدت عن الاكتفاء بتقديم فساتين جميلة لتبني عالماً متكاملاً له لغته الخاصة.
قد يرى البعض أن العرض مسرحيّ مقارنة بمجموعات سابقة، لكن هذه المسرحية لم تطغَ على الأزياء، بل منحتها عمقاً إضافياً، وأكدت أن الهوت كوتور في عام 2026 لم يعد مجرد احتفاء بالفخامة، بل أصبح مساحة يلتقي فيها الفن والخيال والحرفة الرفيعة.
وهنا تكمن قوّة هذه المجموعة؛ فهي لا تطلب من المشاهد أن يعجب بالفستان فحسب، بل تدعوه إلى تأمّل الفكرة التي تقف خلفه.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
