آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » رؤية حول واقع العمل الثقافي في محافظة طرطوس وسبل تطويره في سوريا الجديدة

رؤية حول واقع العمل الثقافي في محافظة طرطوس وسبل تطويره في سوريا الجديدة

 

 

*رئيس التحرير:هيثم يحيى محمد

 

يشكل العمل الثقافي في محافظة طرطوس أحد أهم المداخل لإعادة بناء الثقة بين المواطنين وتعزيز السلم الأهلي، لما تتميز به المحافظة من إرث حضاري وتنوع اجتماعي وثقافي وطاقات إبداعية كبيرة. إلا أن الواقع الحالي لا يزال يواجه تحديات عديدة، أبرزها محدودية المبادرات الثقافية الجامعة، وضعف مشاركة الشباب، وهجرة الكثير من الكفاءات الثقافية، إضافة إلى آثار سنوات الصراع التي أضعفت الروابط الاجتماعية ورسخت لدى بعض الفئات مشاعر الانقسام والشك المتبادل.

 

وفي العهد الجديد، ينبغي أن ينتقل العمل الثقافي من كونه نشاطًا مناسباتيًا أو نخبوياً إلى مشروع مجتمعي مستدام يسهم في بناء الإنسان وترسيخ قيم المواطنة. فالثقافة ليست ترفًا، بل هي ركيزة لإعادة إنتاج الثقة، وصياغة هوية وطنية جامعة، وتعزيز الانتماء إلى الدولة وسيادة القانون.

 

ويتطلب ذلك اعتماد مجموعة من الأولويات، أهمها:

*جعل المؤسسات الثقافية فضاءات مفتوحة للحوار بين جميع مكونات المجتمع، بعيدًا عن أي تمييز أو إقصاء، بما يعزز ثقافة الاختلاف وقبول الآخر.

*دعم المبادرات الثقافية التي يقودها الشباب، وإشراكهم في صناعة القرار الثقافي، بما يضمن تجديد الخطاب الثقافي وتطوير أدواته.

*تعزيز التعاون بين المؤسسات الرسمية والجمعيات الأهلية والاتحادات والنقابات والجامعات والمبادرات المستقلة، لبناء شراكات حقيقية قائمة على التكامل لا التنافس.

*إعادة الاعتبار بقوة للمسرح والسينما والفنون التشكيلية والموسيقا والأدب بوصفها أدوات فعالة لنشر قيم التسامح والتنوع والعيش المشترك.

*إطلاق برامج ثقافية في المدن والأرياف على حد سواء، لضمان العدالة في الوصول إلى الخدمات والأنشطة الثقافية.

*الاستثمار في الثقافة الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي لإنتاج محتوى معرفي وإبداعي يواجه خطاب الكراهية والإشاعات والتضليل بخطاب عقلاني ومسؤول.

*توثيق الذاكرة المحلية والتراث المادي وغير المادي لمحافظة طرطوس باعتباره عنصرًا جامعًا يعزز الهوية الوطنية ويحفظ الخصوصية الثقافية للمحافظة.

 

كما ينبغي أن يكون الخطاب الثقافي الجديد قائمًا على قيم المواطنة المتساوية، واحترام الكرامة الإنسانية، وسيادة القانون، والاعتراف بالتنوع بوصفه مصدر قوة لا سببًا للانقسام. وفي المقابل، يجب عدم توفير أي مساحة لمن يحرض على العنف أو الكراهية أو التمييز، وذلك عبر ترسيخ ثقافة الحوار والنقد المسؤول، والاحتكام إلى القانون، وتعزيز التربية على حقوق الإنسان، بما يحد من تأثير الخطابات الإقصائية ويعزز مناعة المجتمع.

 

ومن المهم أيضًا بناء منظومة ثقافية تشاركية تعتمد الشفافية والكفاءة في إدارة المشاريع الثقافية، وتكافؤ الفرص في دعم المبدعين، وتشجيع المبادرات التطوعية، واستقطاب الخبرات السورية في الداخل والخارج للمساهمة في إعادة النهوض بالحياة الثقافية.

 

وفي الختام، فإن نجاح العمل الثقافي في محافظة طرطوس لن يقاس بعدد الفعاليات والأنشطة فحسب، بل بقدرته على إعادة بناء جسور الثقة بين أبناء المجتمع، وتعزيز العيش المشترك، وترسيخ ثقافة المواطنة، وإطلاق طاقات الإبداع والحوار، بما يسهم في بناء دولة سورية جديدة عادلة، يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، وتكون الثقافة فيها شريكًا أساسيًا في التنمية والاستقرار والسلام المجتمعي

 

والسؤال الذي يفرض نفسه في ضوء ماتقدم كيف يمكن توفير الأموال اللازمة لتنفيذ هذا المشروع الثقافي ..هل من موازنة الدولة فقط ام يمكن الاعتماد على الفعاليات الأهلية والاقتصادية من خلال احداث صندوق خاص بدعم النشاطات الثقافية المذكورة؟

 

أرى أن الاعتماد على موازنة الدولة وحدها لن يكون كافيًا ولا مستدامًا، خاصة في مرحلة إعادة البناء وما يرافقها من أولويات اقتصادية وخدمية. وفي المقابل، فإن تحميل المجتمع الأهلي وحده مسؤولية تمويل العمل الثقافي قد يؤدي إلى عدم الاستقرار أو إلى تفاوت في فرص الدعم. لذلك، فإن النموذج الأكثر فاعلية هو الشراكة التمويلية بين الدولة والمجتمع والقطاع الاقتصادي.

 

ويمكن أن تقوم هذه الشراكة على إنشاء صندوق دعم الثقافة والتنمية المجتمعية في محافظة طرطوس، يعمل وفق نظام مالي وإداري شفاف، ويخضع للرقابة، وتشارك في إدارته الجهات الرسمية والفعاليات الثقافية والاقتصادية والمجتمعية. وتكون مهمته تمويل المبادرات الثقافية ذات الأثر المجتمعي، وليس تمويل المؤسسات بحد ذاتها.

 

ويمكن أن تتنوع مصادر تمويل الصندوق، ومنها:

*مساهمة سنوية من موازنة الدولة بوصفها الضامن الأساسي للحق في الثقافة.

*مساهمات القطاع الخاص في إطار مسؤوليته الاجتماعية، بما يشمل الشركات والمصارف ورجال الأعمال والمنشآت السياحية والصناعية والتجارية.

*تبرعات الأفراد والمغتربين من أبناء المحافظة الراغبين في دعم المشاريع الثقافية والتعليمية.

*ريع بعض الأنشطة الثقافية مثل المعارض والمهرجانات والأسواق الثقافية والإصدارات، بحيث يعاد استثماره في تمويل برامج جديدة.

*منح وشراكات مع مؤسسات ثقافية وطنية أو دولية، شريطة أن تكون متوافقة مع القوانين الوطنية وتحافظ على استقلالية القرار الثقافي.

 

ولا تقل أهمية آلية الإنفاق عن أهمية التمويل نفسه؛ إذ ينبغي أن تُمنح المشاريع وفق معايير واضحة، من خلال مسابقات أو دعوات مفتوحة، مع نشر نتائج التمويل والتقارير المالية بصورة دورية، لضمان ثقة المجتمع ومنع المحاباة.

 

كما يمكن تشجيع القطاع الاقتصادي على الانخراط في هذا المشروع عبر تقديم حوافز معنوية وإعلامية، مثل منح صفة “شريك الثقافة” للمؤسسات الداعمة، وإبراز مساهماتها في الفعاليات والمنصات الرسمية، وربط اسمها بمشروعات ذات أثر مجتمعي ملموس. وإذا سمحت التشريعات، يمكن أيضًا دراسة حوافز ضريبية محدودة للمساهمات الموثقة في الصندوق، كما هو معمول به في عدد من الدول لدعم العمل الثقافي.

 

وفي تقديري، فإن الهدف لا ينبغي أن يكون مجرد تأمين المال، بل بناء ثقافة مجتمعية تعتبر الاستثمار في الثقافة استثمارًا في الاستقرار والتنمية. فكل نشاط ثقافي ناجح يخفف من الاحتقان الاجتماعي، ويعزز الحوار، ويمنح الشباب فضاءات للإبداع والانتماء، ويحد من تأثير خطابات الكراهية والتطرف. ومن هذا المنظور، فإن دعم الثقافة ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل هو استثمار طويل الأمد في الأمن المجتمعي والتنمية البشرية وبناء الدولة

(هذه الرؤية قدمتها بشكل خطي للمشرفين على اللقاء الثقافي الانتاجي الذي عقد صباح اليوم في مركز ثقافي طرطوس)

12-7-2026

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

يوم سوري في اليونسكو: 13 تموز 1989..

      أ.د. جورج جبور مؤلف كتاب: «الأمم المتحدة والتعطيل في الأعياد الإسلامية»     إذ يتوطد مركز سورية الدولي بفضل نجاح الثورة التي ...