بقلم: القاضي المتقاعد حسين حمادة
مدير المركز السوري للدراسات القانونية
تقوم الإدارة الحديثة على مبدأ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يُعد من أهم أسباب نجاح الدول والمؤسسات، وهو وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. وهذا المبدأ لا يعني اختيار الأفراد على أساس القرب أو الولاء أو الانتماء، بل يبدأ بتحديد طبيعة الوظيفة ومهامها، ثم اختيار من يمتلك المؤهلات العلمية والخبرات العملية التي تؤهله للقيام بها بكفاءة واقتدار.
فتطوير التشريعات يحتاج إلى قانونيين، وتطوير القطاع الصحي يحتاج إلى أطباء ومتخصصين، والهندسة تحتاج إلى مهندسين، والاقتصاد يحتاج إلى اقتصاديين وخبراء ماليين، والجيش يحتاج إلى ضباط مؤهلين ومتخصصين… وهكذا. وبهذا التوافق بين طبيعة الوظيفة وكفاءة شاغلها تُبنى المؤسسات القادرة على التخطيط السليم، واتخاذ القرار الرشيد، وتحقيق المصلحة العامة.
وفي المقابل، عرف التاريخ نمطًا آخر من التفكير يمكن وصفه بـ “فكرة المؤدلج الشامل”، ومؤداه أن الانتماء الفكري أو السياسي وحده يكفي لجعل صاحبه مؤهلًا لإدارة أي ملف، بصرف النظر عن اختصاصه أو خبرته. وتُستحضر في هذا السياق رواية متداولة عن مرحلة ما بعد الثورة الكوبية، مفادها أن فيديل كاسترو كلّف طبيبًا بتولي حقيبة الاقتصاد، ولما اعترض أحد الحاضرين، كان الجواب: “إنه ماركسي لينيني، وبالتالي فهو يفهم في كل شيء.” وسواء صحت هذه الرواية أم لم تصح، فإنها تعبّر عن فلسفة إدارية عرفتها أنظمة عديدة، تقوم على تغليب الانتماء الأيديولوجي أو السياسي على معيار الكفاءة.
وقد شهدت سوريا، خلال مراحل مختلفة من تاريخها، هذا النهج؛ إذ أُسندت مناصب اقتصادية وإدارية وقانونية حساسة إلى أشخاص لا تنسجم مؤهلاتهم العلمية أو خبراتهم العملية مع طبيعة المسؤوليات التي أُنيطت بهم. ولم تكن المشكلة في الأشخاص بقدر ما كانت في الفلسفة التي جعلت الولاء أو الاعتبارات غير المهنية مقدَّمة على الكفاءة والخبرة والاستحقاق.
وينسحب هذا المبدأ كذلك على تشكيل المجالس، إذ ينبغي التمييز بوضوح بين نوعين منها:
أولًا: المجالس التمثيلية، كالبرلمانات ومجالس الإدارة المحلية، وهذه يُراعى في تشكيلها تمثيل الاتجاهات السياسية والفكرية والمكونات الاجتماعية المختلفة، لأنها تعكس إرادة المجتمع وتنوعه.
ثانيًا: المجالس التخصصية أو النوعية، كمجالس التشريع والاقتصاد والصحة والتعليم والقضاء، وهذه لا ينبغي أن تقوم على المحاصصة أو الانتماءات، وإنما على الخبرة والكفاءة والاختصاص، لأن وظيفتها تقديم الرأي المهني، وصياغة السياسات، واتخاذ القرارات الفنية المبنية على المعرفة.
إن الخلط بين هذين النوعين من المجالس يؤدي إلى إضعافهما معًا؛ فالمجلس التمثيلي يفقد قدرته على تمثيل المجتمع، بينما يفقد المجلس التخصصي قيمته العلمية واستقلاله المهني، فتنعكس آثار ذلك على جودة القرار وكفاءة مؤسسات الدولة.
ولا شك أن المراحل الانتقالية تجعل العامل الثوري عنصرًا مهمًا في حماية الدولة الجديدة وترسيخ المبادئ التي قامت عليها، لكنه لا يجوز أن يكون على حساب الكفاءة والاختصاص، وإلا تحولت الحماسة الثورية إلى سبب في إضعاف الأداء المؤسسي، وتحميل الدولة أثمانًا باهظة.
ولهذا تحرص القيادات الانتقالية الناجحة على إرساء معايير واضحة للتعيين تقوم على الكفاءة والنزاهة والخبرة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتمييز بين المجالس التمثيلية والمجالس التخصصية، بحيث يُسند كل منصب إلى من يستحقه، وتُبنى مؤسسات الدولة على أسس علمية ومهنية سليمة. وبهذا النهج وحده تقترب الدولة من تحقيق الاستقرار والتنمية والعدالة.
أما إذا بدأ الحكم بخلط مفاهيم بناء المؤسسات، وغُلِّب الولاء على الكفاءة، واتسعت دائرة المحسوبيات، واستطابت القيادة مظاهر الترف وكثرة الامتيازات، وتساهلت مع المقربين على حساب القانون، فإن ذلك لا يكون مجرد خطأ إداري، بل يصبح مؤشرًا مبكرًا على بداية ضعف الدولة وتآكل مؤسساتها، وقد يفضي، مع مرور الوقت، إلى فقدان ثقة المواطنين وتعثر مسيرة الإصلاح
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

