تشكل الزيارة المرتقبة للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق محطة مفصلية في مسار العلاقات بين سوريا والمنظمة الدولية، إذ تأتي في مرحلة تشهد فيها البلاد استكمال بناء مؤسساتها، وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي بعد التحرير، لتتجاوز أبعادها البروتوكولية نحو رسائل سياسية وإنسانية تعكس تحولاً واضحاً في مقاربة الأمم المتحدة للملف السوري، والانتقال من إدارة تداعيات الأزمة إلى دعم التعافي وإعادة الإعمار وترسيخ الاستقرار.
وتكتسب الزيارة أهمية استثنائية بوصفها الأولى لغوتيريش إلى سوريا منذ توليه منصب الأمين العام عام 2017، وأول زيارة لأمين عام للأمم المتحدة إلى دمشق منذ عام 2009. ووفق ما أعلنته الأمم المتحدة، سيؤكد غوتيريش خلال الزيارة التزام المنظمة بدعم الحكومة والشعب السوري، مع التشديد على احترام سيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها، في ظل المتغيرات التي تشهدها البلاد والانفتاح الدولي المتزايد عليها.
من خطاب الإدانة إلى دعم المرحلة الجديدة
منذ توليه منصبه، اتخذ غوتيريش مواقف حازمة إزاء انتهاكات النظام البائد، مطالباً مراراً بمحاسبة المسؤولين عنها، وداعياً إلى إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، كما انتقد عرقلة وصول المساعدات الإنسانية واستهداف المدنيين والبنية التحتية، مؤكداً ضرورة التوصل إلى حل سياسي شامل يقرره السوريون أنفسهم.
ومع تحرير سوريا في الثامن من كانون الأول 2024، شهد خطاب الأمين العام تحولاً لافتاً، إذ وصف ما جرى بأنه “فرصة تاريخية لبناء مستقبل مستقر وسلمي”، مؤكداً وقوف الأمم المتحدة إلى جانب السوريين في إعادة بناء مؤسسات دولتهم، وتعزيز الاستقرار، ومداواة آثار الحرب، بما يعكس انتقال المقاربة الأممية من التركيز على إدارة الأزمة إلى دعم فرص التعافي والتنمية.
مسار متصاعد من التعاون
وتأتي زيارة غوتيريش تتويجاً لسلسلة من الزيارات واللقاءات التي شهدتها المرحلة التي أعقبت التحرير، وأسست لمسار متنامٍ من التعاون بين دمشق والأمم المتحدة.
ففي كانون الأول 2024، زار المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسون ووكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية توم فليتشر دمشق، حيث أكدا دعم الانتقال السياسي بقيادة وملكية سورية، إلى جانب تعزيز الاستجابة الإنسانية.
وفي كانون الثاني 2025، تصدر ملف عودة اللاجئين والنازحين أولويات التعاون مع زيارة المفوض السامي لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي، الذي دعا المجتمع الدولي إلى دعم جهود إعادة الإعمار وتهيئة الظروف اللازمة للعودة الطوعية والآمنة والكريمة.
كما شهدت المرحلة اهتماماً متزايداً بملفات العدالة الانتقالية والمفقودين، حيث أكد مسؤولو الأمم المتحدة خلال إحاطاتهم لمجلس الأمن إحراز تقدم في التعاون مع الحكومة السورية لتعزيز الثقة والاستقرار ومعالجة إرث الانتهاكات.
وفي موازاة ذلك، استعادت سوريا حضورها داخل الأمم المتحدة، عبر مشاركة وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني في جلسة مجلس الأمن عام 2025، ورفع العلم السوري الجديد أمام مقر المنظمة، ثم مشاركة الرئيس أحمد الشرع في أعمال الدورة الثمانين للجمعية العامة، حيث التقى غوتيريش وبحث معه سبل تعزيز التعاون ودعم التنمية، كما شهدت دمشق زيارة تاريخية لأعضاء مجلس الأمن، في تأكيد على دعم المجتمع الدولي لسوريا في مرحلة إعادة البناء.
أبعاد سياسية وإنسانية
وتحمل زيارة غوتيريش أبعاداً سياسية وإنسانية متكاملة، إذ تشمل لقاءات مع الرئيس أحمد الشرع، ووزير الخارجية، وعدد من المسؤولين، إلى جانب ممثلين عن المجتمع المدني والمنظمات النسائية، للاطلاع على رؤيتهم بشأن المرحلة المقبلة، والوقوف ميدانياً على آثار الحرب واحتياجات التعافي.
كما سيزور الأمين العام قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان السوري المحتل (أندوف)، في خطوة تعكس استمرار اهتمام المنظمة بمتابعة تنفيذ اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، والتأكيد على ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، واحترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
وفي الوقت نفسه، تؤكد الأمم المتحدة أن المرحلة الحالية تتيح فرصة حقيقية لدعم التعافي وإعادة بناء سبل العيش، في ظل عودة أعداد متزايدة من اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم، بالتوازي مع استكمال بناء مؤسسات الدولة، وإطلاق مسارات العدالة الانتقالية، وتعزيز الاستقرار.
مرحلة جديدة من الشراكة
وتعكس زيارة غوتيريش تحولاً نوعياً في العلاقات بين سوريا والأمم المتحدة، بعد سنوات طغت عليها ملفات الصراع والإغاثة الإنسانية، لتدخل مرحلة جديدة تقوم على دعم إعادة الإعمار، وتأهيل القطاعات الخدمية، وتعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ العدالة الانتقالية، وتوفير الظروف اللازمة لعودة اللاجئين والنازحين.
وبذلك، تمثل الزيارة أكثر من محطة دبلوماسية، إذ تؤكد انتقال العلاقة بين دمشق والمنظمة الدولية إلى مستوى جديد من الشراكة، يقوم على دعم الاستقرار والتنمية، ومواكبة المرحلة التي تشهدها سوريا بعد التحرير، بما يعزز حضورها الدولي ويفتح آفاقاً أوسع للتعاون خلال السنوات المقبلة

(أخبار سوريا الوطن-سانا-وكالات)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
