أسيمة حسن
ليست كل الأمثال الشعبية كلماتٍ تُقال وتمضي، فبعضها وُلد من عمرٍ كاملٍ من التجارب، ومن حكاياتٍ تكررت حتى استقرت في الذاكرة. ومن أكثرها مرارةً ذلك المثل الذي يقول: «مزمار الحي لا يُطرب.» وكأن القريب، مهما علا صوته، يبقى أقل إدهاشًا من الغريب، ومهما أشرق نوره، لا يراه الناس إلا بعد أن يضيء سماءً أخرى.
المبدع لا يولد غريبًا عن وطنه، بل يولد طفلًا يعرفه الجميع، يلعب في الأزقة نفسها، ويصافح الوجوه ذاتها، ويحمل ملامح المكان في عينيه. لكن الألفة كثيرًا ما تُطفئ دهشة الاكتشاف، فيظل في نظر البعض «ابن الحي»، بينما يراه الآخرون قيمةً استثنائية تستحق الاحتفاء.
ولذلك، كثيرًا ما يأتي التصفيق من بعيد… ثم يصل صداه متأخرًا إلى الوطن.
هذه ليست حكاية شخص، بل حكاية تتكرر كلما ضاقت الأرض بأحلام أصحابها. فكم من طبيبٍ سوري أصبح اسمًا لامعًا في أكبر مستشفيات العالم، وكم من مهندسٍ شارك في بناء مدنٍ لا تشبه مدينته الأولى، وكم من عالمٍ وباحثٍ صنع إنجازًا يُدرَّس في الجامعات العالمية، وكم من فنانٍ حمل ملامح سوريا إلى مسارح الدنيا.
يكفي أن نتأمل أسماءً مثل غادة السمان، التي عبر أدبها الحدود، وعمر أبو ريشة، الذي حمل القصيدة السورية إلى المنابر الدولية، وفاتح المدرس، الذي أصبح أحد أبرز رموز الفن التشكيلي العربي، وصفوان بهلوان، الذي حمل موسيقى سوريا من جزيرة أرواد إلى المسارح العربية والعالمية، بينما ظل الوطن ينتظر طويلًا ليقول لأبنائه ما يقوله الغرباء من اللقاء الأول.
وليس في ذلك عتبٌ على الوطن بقدر ما هو عتبٌ على الزمن والظروف، وثقافةٍ اعتادت أن تنتظر شهادة الآخرين قبل أن تؤمن بأبنائها.
فالإنسان لا يحتاج إلى التصفيق بقدر حاجته إلى أن يشعر بأن بيته عرف قيمته قبل أن يعرفها العالم.
الوطن، في النهاية، ليس حدودًا ولا خرائط، بل هو أول قلبٍ ينبغي أن يخفق فرحًا بأبنائه. وما أجمل أن يعود المبدع يومًا، فلا يجد صورته معلقةً على جدران المدن فقط، بل محفوظةً أيضًا في ذاكرة الناس الذين آمنوا به قبل أن يصبح اسمًا عالميًا.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله مع هذا المثل القديم، ألا نردده كما ورثناه، بل أن نكسره. فالأوطان التي تكرّم أبناءها وهم بين أهلهم، لا تنتظر تصفيق العالم لتكتشف قيمتهم لأنها كانت أول من سمع مزمار الحي… وطرب له
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

