بقلم: المهندس نضال رشيد بكور
في يوم الجمعة المبارك، ذلك اليوم الذي ارتبط في الوجدان الإسلامي بساعة الاستجابة، والذي أخبرنا النبي ﷺ أنه اليوم الذي تقوم فيه الساعة، يجد المتأمل في سلوك البشر صورةً تعكس انشغال الإنسان بنتائج الدنيا المؤقتة، في مقابل غفلته عن النتيجة الكبرى التي تنتظره في الآخرة.
ومع ترقب صدور نتائج الامتحانات، يعيش الطلاب وأسرهم ساعات من القلق والترقب؛ تتجه الأنظار إلى شاشات الهواتف، وتتسارع نبضات القلوب انتظارًا للحظة التي تظهر فيها كلمة “ناجح” أو “راسب”.
وهذا المشهد، على بساطته، يمثل صورة مصغرة لحالة الانتظار العظمى يوم القيامة، حين يقف الناس جميعًا بين يدي الله تعالى، في انتظار الفصل النهائي في مصيرهم. غير أن الفارق شاسع؛ فنتيجة الدنيا تحدد مرحلة من مراحل الحياة، أما نتيجة الآخرة فتحدد المصير الأبدي.
ولعل مظاهر الفرح التي ترافق النجاح في الدنيا تستوقف المتأمل؛ فكم من طالب وأهله يصرخون فرحًا، ويقفزون ابتهاجًا، وربما يلجأ بعضهم إلى إطلاق الرصاص أو الألعاب النارية، متناسين مخاطر هذه التصرفات وما قد تسببه من أذى للأبرياء.
وفي المقابل، يصور القرآن الكريم فرحة الناجين يوم القيامة تصويرًا بليغًا، حين يتسلم المؤمن كتاب أعماله بيمينه، فينادي أمام الخلائق مبتهجًا:
“فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ”.
إنها فرحة النجاة الحقيقية؛ فرحة لا يعقبها خوف، ولا يعكرها زوال، لأنها بداية نعيم خالد.
أما الفريق الآخر، فيتسلم كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، فيتحسر أشد الحسرة، كما وصف القرآن الكريم:
“وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ”
وفي الامتحان الأخير، لا وجود لتقديرات أو معدلات أو مفاضلات؛ فالبشر جميعًا ينقسمون إلى فريقين لا ثالث لهما: أصحاب اليمين الذين فازوا برضا الله وجناته، وأصحاب الشمال الذين خسروا أنفسهم ومصيرهم.
ومن هنا تبدو المفارقة المؤلمة؛ إذ قد يحتفل بعض الناس بنجاح دنيوي عابر بإطلاق الرصاص، فيتحول الفرح إلى مأساة، وقد تُزهق روح بريئة بسبب لحظة تهور، في مشهد يتنافى مع حرمة النفس التي جعلها الله من أعظم الحرمات.
إن الرسالة التي يبعثها هذا المشهد، ولا سيما في يوم الجمعة، هي أن الإنسان مدعو إلى إعادة ترتيب أولوياته. فالنجاح الحقيقي لا يقتصر على اجتياز امتحان أو الحصول على شهادة، بل يتمثل في النجاح في الامتحان الأعظم، يوم يقف العبد بين يدي ربه.
فالشهادة الأسمى ليست تلك التي تمنحها المؤسسات التعليمية، وإنما شهادة النجاة التي ينالها المؤمن حين يتسلم كتابه بيمينه، وقد امتلأت صحيفته بالطاعات، وخَلَت من الظلم والعدوان، فيفوز برضا الله ورحمته.
تقبل الله طاعاتكم وجعل يوم الجمعة يوم خير وبركة، ورزقنا وإياكم حسن الخاتمة والفوز في الدنيا والآخرة.
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

