بقلم: علي صقر
ليست كل الشخصيات التي تعيش في ذاكرة المدن حكامًا أو أدباء أو أبطالًا. بعض الناس يمرون في الحياة من دون مناصب أو شهرة، لكنهم يتركون أثرًا أعمق من أثر كثير ممن تصدرت أسماؤهم الكتب. إنهم أولئك الذين يصبحون جزءًا من روح المكان، من شوارعه وأشجاره وحكاياته وذاكرته الشعبية.
ومن هؤلاء حامد الشماميس… الرجل الذي لم يكن مجرد شخص عاش على هامش مدينة طرطوس، بل أصبح واحدًا من وجوهها التي لا تُنسى، ولا سيما في ذاكرة أبناء جيل الستينيات والسبعينيات، رغم رحيله في مطلع ثمانينيات القرن الماضي.
كان حامد من قرية الشماميس في ريف صافيتا، لكنه ترك قريته متجهًا نحو الغرب، نحو البحر وطرطوس، بعد الحكاية التي بقيت ملازمة لاسمه: حكاية حبه الكبير لماريا.
تقول الروايات الشعبية إن حامدًا كان شابًا متيمًا بها، وإن أهلها وعدوه بالزواج منها، لكنها تزوجت رجلًا آخر. وفي يوم زفافها، خرج من قريته يحمل انكساره معه، ومضى بعيدًا حتى استقر في شوارع طرطوس القديمة وخرائبها، ليبدأ حياة جديدة لم يعد فيها سوى عاشق يحمل ذكرى امرأة غائبة.
لكن قصة ماريا، مهما اختلف الناس في تفاصيلها، أصبحت جزءًا من الأسطورة التي نسجتها المدينة حوله. فلا أحد يستطيع اليوم أن يفصل تمامًا بين الحقيقة والخيال، بين ما حدث فعلًا وما أضافته قلوب الناس المحبة إلى حكايته.
لم يكن حامد مجنون ليلى، ولا عاشق اليمامة، ولا مجنون أسماء، ولا جميل بثينة. كان كأنه جمع قصص العشاق جميعًا في شخصية واحدة:
إنه حامد الشماميس… مجنون ماريا، ومجنون الزنزلخت.
لقد تحولت المدينة في عينيه إلى غابة من الزنزلخت. أصبحت الأشجار مرتبطة باسمها، وصارت أغصانها مسرحًا لذاكرته ووجعه. وكأن حياته اختُصرت في معادلة غريبة: إما جنون الوله، وإما الزنزلخت… فبقي أسيرًا بين الاثنين.
كنت، في طفولتي، أراه على شاطئ البحر، يقف وحيدًا، يحمل عصاه، وينظر طويلًا إلى الأمواج. وفي يوم سألته ببراءة الأطفال:
«كم موجةً جاءت، وكم موجةً رحلت؟»
لم يجبني. لكننا، نحن الصغار، كنا نجيب عنه:
«الموج القادم أكثر من الراحل».
لم أكن أعلم يومها أن تلك اللحظة ستبقى محفورة في ذاكرتي عشرات السنين.
كان حامد يعيش أحيانًا في بيت مهجور من الحجر الرملي في أحياء طرطوس القديمة، في خربة عُرفت باسم خربة أم عيسى، وكان الناس يقدمون له الطعام والماء، لأنه لم يكن مؤذيًا لأحد، بل عُرف عنه الهدوء والعزلة.
كان طويل القامة، عريض المنكبين، قوي البنية على نحو لافت. يخرج بقامته الفارعة، ومعطفه الرمادي، ولحيته الطويلة، وكوفيته الكعكية، وعصاه المصنوعة من الزنزلخت، ووجهه الذي حفرت عليه الأيام قصة طويلة من الألم.
ويروي سامر الملوحي، الذي كان من جيرانه في حي المنشية، أنه عرف حامدًا منذ كان في السادسة من عمره. وكان ينتظره يوميًا، بين العصر والمغرب، من شرفة منزله، ليراه يخرج من الشارع المقابل متجهًا نحو الخربة.
كان الأطفال يخافونه بسبب الحكايات التي كان الكبار يروونها لتخويفهم، حتى بدا في مخيلتهم كأنه عفريت أو وحش من حكايات الليل. لكن سامر لم ير فيه ذلك، بل رأى شيئًا آخر؛ رأى هرقل وطرزان وأبطال الأفلام الأسطورية التي كان الأطفال يعشقونها آنذاك.
وكان أكثر ما يثير دهشة الأطفال تلك اللحظة التي يقول له فيها أحدهم:
«ماريا فوق الشجرة».
عندها كان حامد يتحول إلى قوة هائلة، وينطلق نحو شجرة الزنزلخت، فيتسلقها بقوة مذهلة، ويحطم أغصانها غصنًا بعد غصن، بحثًا عن حبيبته التي لم تكن هناك.
لم يكن يبحث عن ماريا فوق الشجرة فقط، بل كان يبحث عن شيء ضاع منه في الحياة كلها.
وعندما يهدأ، كان يجلس تحت الشجرة ويلتقط حبات الزنزلخت المتناثرة على الأرض، وكأنها بقايا صغيرة من محبوبته.
وكان الناس يقولون إن هذه الحبات هي ما بقي له من ماريا، فاحتفظ بها كما يحتفظ العاشق بصورة قديمة لا يريد لها أن تموت.
ومن هنا التصق اسم حامد بالزنزلخت، حتى غدت الشجرة جزءًا من حكايته، وغدا هو جزءًا من ذاكرة تلك الأشجار التي رافقت طرطوس القديمة.
ورغم أن الناس لقبوه بـ«المجنون»، فإن كثيرين رأوا فيه حكمةً خاصة. فقد بقيت عبارته الشعبية تتردد:
«المجنون يفقد كل شيء إلا عقله».
وربما كانت هذه العبارة تختصر حقيقته؛ فقد بدا مختلفًا عن الآخرين، لكنه لم يكن فاقدًا للذكاء أو سرعة البديهة.
ومن أجمل الحكايات التي تُروى عنه ما حدث مع أربعة شبان كانوا يشربون الخمر، فدعوه إلى مشاركتهم. فأجابهم بهدوء:
«أنتم تشربون لتصبحوا مثلي، فإذا شربت معكم أنا… مثل من سأصبح؟»
ثم مضى، تاركًا وراءه سؤالًا أكبر من الجواب.
ويروي الأديب والشاعر والفنان بهجت ونوس شهادة إنسانية مؤثرة عن لقائه بحامد وهو طفل. كان يبيع الحلوى ليجمع مصروفه المدرسي وثمن كتبه ودفاتره، وكان حامد قد أخذ منه حلوى بالدَّين. وعندما طالبه بثمنها قال له:
«حلّ عنّي… ما حدا عطاني مصاري».
وعندما شرح له الطفل أنه يحتاج إلى المال ليعيده إلى صاحب الحلوى، غضب حامد وانطلق خلفه، حتى سقط الطفل على الأرض. عندها توقف حامد وقال له:
«قوم، ولاك… أنا ما بضرب واحد ارتمى عالأرض».
كانت تلك اللحظة درسًا بقي في ذاكرة بهجت ونوس؛ درسًا عن الرحمة والكرامة خلف الوجه الذي ظنه الناس مجنونًا.
وبعد خمسة وثلاثين عامًا، احتفظ ونوس بصورة تلك الحادثة، ثم وضع صورة حامد على غلاف مجموعته القصصية «بكاء القصب»، وكتب أن هذا الرجل، الذي اعتبره الناس مجنونًا، كان هو الحكيم الذي علّمه معنى من معاني الحياة.
ولم تبقَ شخصية حامد في حدود الحكاية الشعبية فقط، بل دخلت عالم الفن والأدب. فقد كتب الأديب الساخر علي ديبه نصًا مسرحيًا بعنوان «حامد الشماميس»، تناول فيه حياته بأسلوبه الخاص، جامعًا بين السخرية والشعر.
كما كان الفنان الراحل علي هولا من أوائل من رسموا ملامح حامد، لأنه كان معنيًا برسم وجوه المهمشين الذين تخفي ملامحهم حكايات أكبر من الكلام.
أما أول من حفظ وجه حامد للأجيال بالصورة الفوتوغرافية، فهو المصور الأرمني سامي أروميان. فقد التقط له صورة أعجبته لما تحمله من فرادة وعمق، ثم كبّرها ووضعها في واجهة استديو التصوير الخاص به، لتصبح، مع مرور الزمن، واحدة من أشهر الصور التي وثقت شخصية شعبية في طرطوس.
وعندما ننظر إلى تلك الصورة اليوم، لا نرى صورة رجل فقد عقله فحسب، بل نرى وجهًا يحمل تاريخًا كاملًا: جبينًا أنهكته السنوات، وعينين غائرتين تحملان حزنًا عميقًا، ولحية بيضاء، وملامح إنسان أحب كثيرًا وتألم كثيرًا.
ولعل أكثر ما يلفت في حكاية حامد أنه لم يكن كثير الكلام، بل إن الناس هم الذين تحدثوا عنه، وأضافوا إلى صمته الروايات والأساطير. ولو أن براكين حامد الداخلية استطاعت الكلام، لربما قالت ما عجزت عنه عشرات الحكايات.
فقد نسب إليه بعض الناس الشعر والحكمة والنبوءات، وحتى اكتشاف الينابيع، وظنه آخرون جاسوسًا بسبب غرابة سلوكه في زمن كثرت فيه الشائعات. وهكذا اختلط الواقع بالخيال، حتى أصبح من الصعب معرفة أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الأسطورة.
دخل حامد الشماميس الأدب والشعر والرسم، وكاد أن يكون بطلًا لمسلسل تلفزيوني، لولا وفاة الفنان عصام سليمان قبل إنجاز المشروع.
وبعد أكثر من أربعة عقود على رحيله، ما زال اسمه يتردد كلما ذُكرت طرطوس القديمة، أو أشجار الزنزلخت، أو البحر الذي وقف أمامه طويلًا يخاطب أمواجه.
ربما لن نعرف الحقيقة كاملة عن حامد الشماميس، لكن المؤكد أنه لم يكن مجرد رجل فقد عقله.
كان إنسانًا أحب حتى احترق بحبه، وتحول من رجل منسي إلى ذاكرة مدينة.
بقي، لأنه لم يكن مضحكًا في عيون من عرفوه، بل كان وجعًا إنسانيًا يمشي على قدمين. وبقي، لأنه ذكّر الناس بأن خلف كل شخص يبدو غريبًا حكايةً قد لا يعرفها أحد.
وبقيت ماريا…
وبقي الزنزلخت…
وبقي حامد.

(أخبار سوريا الوطن – الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
