آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » باحثٌ عن تاريخِ ما بقي حيًّا (8) كيف نورِّث أبناءنا الخبرة … لا الهزيمة؟

باحثٌ عن تاريخِ ما بقي حيًّا (8) كيف نورِّث أبناءنا الخبرة … لا الهزيمة؟

بقلم: المهندس محمود محمد صقر

 

 

أخطر ما تتركه الحروب ليس ما تهدمه.

بل ما تتركه داخل الإنسان.

أربعة عشر عامًا مرّت على السوريين، ولم يعشها الجميع بالطريقة نفسها.

هناك من فقد أبًا أو أخًا أو ابنًا، ومن فقد بيته، ومن غادر ولم يعد، ومن بقي ولم يعد المكان الذي بقي فيه كما كان. هناك من رأى فيما حدث ثورة، ومن عاشه حربًا، ومن عرف السجن أو الخوف أو اللجوء، ومن انتصر في روايته، ومن هُزم في رواية أخرى.

ولم تكن هذه السنوات صراعًا سوريًا داخليًا فحسب. فقد أصبحت سوريا ساحةً لتدخل قوى إقليمية ودولية، وما تزال أرضها تتعرض لاعتداءات متكررة، فيما تتقاطع فوق جغرافيتها مصالح القوى الكبرى وحساباتها.

وهنا يصبح السؤال أشد قسوة:

حين تتعرض أمة للضغط من داخلها وخارجها معًا، ماذا يبقى فيها قادرًا على الاستمرار؟

لذلك لا يكفي أن نسأل: كيف نروي ما حدث؟

بل:

ماذا سنورِّث منه؟

فالأمم لا تورث أبناءها أمجادها وحدها، بل تورثهم أيضًا الطريقة التي فهمت بها جراحها.

والحضارة التي لا تحوِّل آلامها إلى معرفة، تورث أبناءها الألم مرتين: مرة بما حدث، ومرة بالعجز عن فهم لماذا حدث.

ليس المطلوب أن ننسى، ولا أن نمحو المسؤولية، أو نجعل الجلاد والضحية شيئًا واحدًا.

لكن العدالة شيء، وتحويل الذاكرة إلى قدر يحكم أبناءنا شيء آخر.

فالطفل الذي يولد اليوم لم يصنع الحرب. لم يختر طائفة أبيه، ولا منطقة أمه، ولا موقف أسرته.

فبأي حق نضع على كتفيه معركةً لم يخترها؟

هنا تبدأ مسؤولية جيلنا:

أن نترك له الحقيقة، لا أن نترك له ثأرنا منها.

أن يعرف ماذا حدث، ولماذا حدث، وأين أخطأنا نحن أيضًا.

فالذاكرة التي تكتفي بسؤال: ماذا فعلوا بنا؟ قد تحفظ الألم، أما التي تسأل أيضًا: كيف وصلنا إلى هنا؟ فتبدأ بتحويل الألم إلى معرفة.

وهنا يتجاوز السؤال سوريا.

فالصراع الحضاري لا يُقاس فقط بمن ربح معركة أو امتلك السلاح الأقوى. تاريخ الحضارات أطول من أعمار المنتصرين.

والقوة ليست فقط في القدرة على إيقاع الخسارة بالآخر، بل في قدرة الأمة على ألّا تجعل ما أصابها نهايةً لمشروعها.

وهنا تقدم الرسالات معنى بالغ العمق.

لقد عاشت مجتمعات هذه المنطقة قرونًا داخل تصور إيماني يضع الموت وزوال المال والقوة والدول داخل معنى أوسع للوجود.

فالإنسان، في جوهر الرسالات السماوية وفي التصور القرآني، لم يُخلق عبثًا، ولم تكن الحياة لهوًا بلا غاية، ولم يكن الموت نهاية المعنى.

وهذا لا يلغي الحزن، لكنه يبني في الإنسان معنى أكبر مما يستطيع أن يخسره.

وهنا تصبح المسألة حضارية.

قد تغيّر القوة المادية الموازين، وتهدم في لحظات ما استغرق بناؤه سنوات، لكنها لا تحدد وحدها ما يبقى من أمة بعدها.

وهنا سؤالنا:

ما الذي بقي حيًّا في الإنسان؟

فالحضارة لا تُعد أبناءها للنجاح فقط؛ الحضارة العميقة تعدهم أيضًا لاحتمال الخسارة دون أن يفقدوا سبب استمرارهم.

فالجيل الذي لا يعرف إلا زمن القوة قد ينهار عند الهزيمة، والجيل الذي لا يعرف إلا الرفاه قد ينهار أمام الحرمان.

أما الجيل الذي يحمل منظومةً من القيم والمعنى، فيستطيع أن يواجه التحولات دون أن تصبح المحنة هويته.

وكما يحتاج الإنسان إلى معنى أكبر من خسارته، تحتاج الأمة إلى مشروع أكبر من هزيمتها.

وهنا نعود إلى أبنائنا.

ماذا نعطيهم من هذه السنوات؟

ذاكرة من انتصر ومن هُزم؟

أم المعرفة التي دفعنا ثمنها؟

لماذا انهارت الثقة؟ وكيف تحول الاختلاف إلى خوف، والخوف إلى كراهية، والكراهية إلى دم؟ وكيف تدخل الخارج حين عجز الداخل؟

هنا لا يعود التاريخ حكايةً عن الماضي، بل أداةً لحماية المستقبل.

ولذلك ربما كان أعظم ما نورثه أبناءنا ليس أجوبتنا، بل النقطة التي وصل إليها السؤال.

هذا ما عرفناه.

وهنا أخطأنا.

وهذا ما فعله الآخر بنا.

وهذا ما فعلناه نحن بأنفسنا.

وهذه أسئلة لم نجد لها جوابًا.

ابدؤوا أنتم من هنا.

يستلم الجيل الذاكرة، لا الأحقاد.

والتجربة، لا القيود.

والمعرفة، ثم يراجعها.

والمشروع، لا الخوف.

فهناك جيل بلا ذاكرة يبدأ من الصفر.

وهناك جيل أسير للذاكرة لا يبدأ أصلًا.

أما الجيل الذي نحتاجه، فلا نطلب منه أن ينسى أربعة عشر عامًا، ولا أن يعيش أربعة عشر عامًا أخرى كي ينتقم لها.

بل أن يعرفها، ويفهمها، ثم يذهب إلى مكان لم نستطع نحن الوصول إليه.

فالسؤال لم يعد فقط:

ماذا بقي حيًّا بعد كل ما حدث؟

بل:

هل بقي بيننا من الثقة ما يكفي لكي نبني معًا؟
(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“مجتمع الأرانب”

    بقلم:سمير حماد   المشهور عن مجتمع الأرانب الخضوع والاستسلام للقدر والظروف؛ فهي كائنات لا تثور ولا تعترض، لأنها مهما تعرضت للأذى، لا تعرف ...