بقلم: المهندس محمود محمد صقر
بعد رحلة طويلة في التاريخ، قد يكتشف الباحث أنه كان يبحث عما بقي من الحضارات في آثارها وأفكارها ومؤسساتها وكتبها، ثم يكتشف أن أكثر ما بقي حيًّا لم يكن الحجر.
الإمبراطوريات عبرت، والحدود تغيرت، والدول قامت وسقطت، لكن نبض الحضارة ظل يجد طريقه من جيل إلى جيل:
إنسانٌ تلقّى نبضًا ممن سبقه، وأضاف إليه شيئًا من روحه وعقله، ثم مضى وتركه ينبض فيمن جاء بعده.
فلعل الحضارة ليست ما ينجزه جيل في زمنه، بل ما يستطيع أن يمدّ به يده، عبر الزمن، إلى جيل لم يولد بعد.
ومن هنا أعود إلى سوريا.
بعد أربعة عشر عامًا من الحرب والنزوح والانقسام والتدخلات الخارجية، وبعد أن تغيرت السلطة وبدأت البلاد تبحث عن طريق جديد، يبدو السؤال الطبيعي: كيف نعيد الإعمار؟
لكن السؤال الأصعب:
هل يمكن أن نعيد بناء بلد بعقلٍ ما زال يعيش الحرب؟
فالحرب قد تنتهي في الجغرافيا قبل أن تنتهي في الإنسان. قد تتغير السلطة وتفتح الطرق والأسواق والجامعات، بينما تبقى في الذاكرة والخوف من الآخر، وفي شعور كل جماعة بأن أمنها يبدأ عندما تضعف الجماعة الأخرى.
يمكن أن نعمّر المكان، بينما يبقى الإنسان الذي سيسكنه مهدوم الثقة بالآخر.
وليست هذه معضلة سورية وحدها.
عرف التاريخ مجتمعات تعددت فيها القوميات والأديان واللغات والانتماءات؛ بعضها جعل اختلافه قابلًا للحياة، وبعضها تحوّل اختلافه، بفعل صراعات الداخل واستثمار الخارج فيه، إلى خوف متبادل ودم.
ومن سويسرا إلى يوغسلافيا السابقة، ومن لبنان والعراق واليمن والسودان إلى سوريا، وبصور مختلفة في تركيا وإيران، يبقى السؤال واحدًا:
كيف نجعل تعدد الانتماءات عاجزًا عن أن يصنع تفاوتًا في الحقوق؟
فالدولة لا تنجح حين تلغي الانتماءات، بل حين يبقى الإنسان آمنًا في حقه حتى عندما لا تكون جماعته هي الأقوى.
أن أثق بأن حقي لن يسقط عندما تصبح أنت أقوى مني، وأن تثق بأن حقك لن أسقطه عندما أصبح أنا أقوى منك.
هنا يصبح القانون أكثر من نص، والوطن أكثر من جغرافيا، والمؤسسة هي التي تمنع القوة المتغيرة من أن تتحول إلى حقوق متغيرة.
فالحضارات لا تُبنى حين يثق الناس بأنهم متشابهون، بل حين يثق المختلفون بأن ما يبنونه معًا لن يهدمه أحدهم حين تتغير موازين القوة.
ولسنا بحاجة إلى ذاكرة واحدة كي نعيش في وطن واحد؛ بل إلى قانون واحد يجعل اختلاف الذاكرة عاجزًا عن إنتاج حقوق مختلفة.
لكن ماذا عن الذين سيأتون بعدنا؟
طفل سوري عمره خمس سنوات اليوم، ما علاقته بما قرره الكبار سنة 2011؟
لا يرث انتصار أبيه امتيازًا، ولا هزيمته عقوبة، ولا خصمه خصومةً لم يخترها.
فإذا ورّثنا أبناءنا مواقعنا في الحرب، لم ننهِ الحرب؛ غيّرنا أعمار المقاتلين فقط.
ومن هنا السؤال الذي ربما يكون أصعب من الإعمار نفسه:
كيف نبني جيلًا جديدًا من أبناء المنتصر والمهزوم، واللاجئ والعائد، والفقير والغني، ومن فقد ومن نجا، بحيث لا نطلب منهم أن ينسوا… ولا نسمح لذاكرتنا أن تحكم عليهم بإكمال حربنا؟
عدم توريث الحرب لا يعني عدم توريث التاريخ.
نخبرهم بما حدث، ونحفظ الحقيقة، ونسمي الخطأ خطأً والجريمة جريمةً؛ لكن المعرفة التي يرثها الابن ينبغي أن تحرره من تكرار خطئنا، لا أن تلزمه بإكمال معركتنا.
ومن حقنا أن نورث أبناءنا ذاكرتنا، لكن ليس من حقنا أن نورثهم خصوماتنا.
نحن المهندسين نعرف أن المخطط يمكن رسمه، والبناء يمكن حسابه، والطريق يمكن تنفيذه.
لكن المدينة ليست أبنيتها.
المدينة ثقة وقانون وعمل وتعليم وذاكرة؛ أن يعيش المختلفون معًا دون أن يحتاج أحدهم إلى طائفته أو قوميته أو عشيرته أو سلاحه كي يشعر بالأمان.
أن يفتح الإنسان متجره ولا يسأل من يحميه، وأن يستثمر فلا يتغير حقه بتغير المسؤول، وأن يعود اللاجئ فلا يشعر أنه دخل وطن شخص آخر.
عندها تصبح الأبنية عمرانًا، وتصبح الجغرافيا وطنًا.
وهنا أفهم معنى:
الإنسان قبل العمران.
ليس إنسانًا بلا اختلاف، ولا بلا انتماء، ولا بلا ذاكرة؛ بل إنسانًا يعرف ماذا سيفعل بالبيت والمدرسة والمؤسسة والوطن عندما تصبح في يده.
من هو الإنسان الذي إذا أعدنا بناءه، استطاع هو أن يعيد بناء كل شيء؟
إنه الإنسان القادر على أن يورث ما بناه، لا ما عاناه فقط.
وهنا، بعد تسع حلقات، أعود إلى السؤال الأول:
ماذا بقي حيًّا؟
ما بقي حيًّا، بقي لأن فيه نبضًا… ولو خَفَت.
قد تسقط الدولة ولا تموت الحضارة، وقد يزول السلطان ولا يموت المعنى، وقد يخفت النبض زمنًا حتى يجد جيلًا جديدًا يسمعه.
لم أكن أبحث عمّا لم يسقط؛ كنت أبحث عمّا لم يمت.
وها قد وجدته: في الإنسان الذي يحمل شيئًا ممن سبقوه، ويضيف إليه شيئًا لمن سيأتي بعده.
معنىٌ يتحول إلى حضارة.
وذاكرةٌ تصبح معرفة.
وتعليمٌ ينقلها.
وعملٌ يبني بها.
وثقةٌ تجمع الناس حولها.
وإنسانٌ يحملها إلى الجيل الذي بعده.
لعل هذا ما كنت أبحث عنه منذ بدأت هذه السلسلة:
ليس تاريخ ما بقي من الحضارات، بل تاريخ ما بقي حيًّا فيها.
وإذا كان لنا أن نترك للجيل القادم شيئًا، فليكن أن يبدأ من حيث وصلنا، لا أن يعود إلى حيث اقتتلنا.
فالحضارة لا تبدأ يوم نعمّر ما تهدّم… بل يوم نمنع ما هدمنا من أن يسكن في أبنائنا
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

