كتب محمد خير الوادي
تذكرني زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ الحالية إلى مصر بالزيارة التاريخية التي قام بها الزعيم الصيني شو إن لاي لمصر عام 1963. وأوجه الشبه بين الزيارتين كثيرة:
فقد فتحت زيارة شو آنذاك أبواب التعاون السياسي بين البلدين، بينما تعوّل كل من بكين والقاهرة على أن تنقل زيارة شي الحالية التعاون الاقتصادي بين البلدين إلى مستويات جديدة غير مسبوقة.
الزعيم الصيني شو إن لاي اكتفى آنذاك بزيارة مصر، من بين دول المنطقة، وشي يفعل الأمر نفسه اليوم.
كانت الصين الماوية تعتبر مصر نقطة ارتكاز للنفوذ الصيني في الشرق الأوسط، والرئيس الصيني الحالي يسعى إلى ذلك، لا سيما بعد متغيرات الحرب الإيرانية-الأمريكية. وسأتحدث بالتفصيل عن هذه النقطة بالذات، لأنها تحتوي اليوم على كلمة السر للسياسة الصينية في الشرق الأوسط. وسأشرح ذلك:
قبل الحرب الإيرانية-الأمريكية، كانت دول الخليج، ولا سيما الإمارات والسعودية، تمثل مركز الثقل الصيني في المنطقة. لكن الأمور بدأت بالتغير بعد الحرب الحالية.
فإغلاق مضيق هرمز، الذي كان يضمن مرور ثلث احتياجات النفط الصينية، ونحو ربع السلع الصينية، دفع بكين إلى السعي نحو قناة السويس كممر مائي بديل.
وتفاقم الأوضاع الأمنية في دول الخليج حفّز الصين إلى تقليص تواجدها في ميناء جبل علي الإماراتي، والمناطق الاقتصادية الصينية في الإمارات، والسعي إلى نقل نقطة الثقل في تجارة السلع الصينية من الإمارات إلى مصر.
ولا بد من الإشارة إلى أمر هام بهذا الخصوص، وهو أن الخطوات التي اتخذتها الحكومة المصرية مؤخراً قد عبّدت الطريق أمام التقارب الصيني مع القاهرة بشكل أكبر. وهذه الخطوات هي:
* انضمام مصر عام 2022 كشريك إلى منظمة شنغهاي للتعاون، التي تقودها الصين.
* في عام 2023، أصبحت مصر عضواً في مجموعة “بريكس”، التي تتزعمها الصين أيضاً.
* وقّعت مصر اتفاقية الانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية.
* في شهر آب الماضي، وقّعت بكين والقاهرة اتفاقية مالية لإنشاء صندوق بقيمة 40 مليار يوان صيني (3.5 مليار دولار)، لتمويل المشتريات المصرية من الصين بالعملة الصينية، بعيداً عن الدولار.
* قبل فترة غير بعيدة، أُجريت مناورات جوية عسكرية صينية-مصرية في مصر، شاركت فيها، للمرة الأولى، 16 مقاتلة حربية صينية.
بدورها، تسعى الحكومة المصرية إلى استثمار تلك الرغبة الصينية من أجل نقل تعاونها مع الصين إلى مستويات نوعية جديدة.
لقد كانت القاهرة تكتفي بدور المستهلك للسلع الصينية، مع وجود بعض الاستثمارات الصينية، التي تبلغ نحو 10 مليارات دولار، لتحسين البنية التحتية.
اليوم تطمح القاهرة إلى أن تتبوأ دور الشريك للصين في إنتاج التقانة العالية الصينية والمشاركة في سلاسل التوريد الصينية.
وبكلمات أوضح، تريد القاهرة تحويل مصر إلى مركز لإنتاج التجهيزات الصينية عالية التقانة، وإلى نقطة ارتكاز لسلاسل التوريد الصينية.
ولذلك، قدمت مصر عرضاً مغرياً لبكين، وهو إنشاء منطقة اقتصادية بجانب قناة السويس لإنتاج التجهيزات الصينية وتصديرها إلى الخارج. ويبدو أن هذا العرض المصري يحظى بموافقة بكين.
سأنتقل الآن للحديث عن المحددات التي تعترض خطط كل من بكين والقاهرة الطموحة للتعاون.
المحدد الأول
هو أن دول الخليج لن تقابل الخطط الصينية بالارتياح. وليس صحيحاً أن تلك الدول بدأت تفقد جاذبيتها التجارية والاستثمارية.
فالاندفاع الصيني لنقل مركز الثقل من الخليج إلى مصر قد تكون له عواقب وخيمة على علاقات الصين بدول الخليج كلها.
المحدد الثاني
يتجلى في أن التقارب المصري-الصيني يثير الحذر والقلق في أمريكا وإسرائيل. ومصر لا تستطيع المغامرة بعلاقاتها المتينة مع كل من واشنطن وتل أبيب.
المحدد الثالث
يتجلى في أن مصر تعتبر دولة من دول العالم النامي أو الثالث، وهذه الدول تبقى عرضة للتقلبات وعدم الاستقرار.
وهذا الأمر لن يغيب عن بال بكين، التي اكتوت بنار عدم استقرار الدول النامية في كل من إفريقيا وأمريكا اللاتينية. وكانت فنزويلا آخر حلقة في تلك السلسلة المؤلمة للصين.
ولذلك، أتوقع أن تأخذ بكين ذلك بعين الاعتبار.
وأختم مقالي بالقول إن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر على جانب كبير من الأهمية، وهي يمكن أن تفتح مجالات جديدة للتعاون بين البلدين، لكن هذا التعاون لن يتطور إلى مستوى التحالف، لأن دون ذلك عقبات كثيرة
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

