رولا عبدالله
ثمة مسافة هائلة بين قصر الإليزيه والزنزانة رقم 11 في سجن “لا سانتيه”، لكن نيكولا ساركوزي يختصرها في “يوميات سجين” إلى مسافة داخلية واحدة: المسافة بين رجل امتلك السلطة ورجل لم يعد يملك سوى نفسه. في أيام قليلة، ينتقل الرئيس الفرنسي السابق من عالم المواكب والأوسمة والقرارات إلى باب مصفح وقضبان وجدران رمادية، فيكتب تجربته كمن يريد أن ينتزع من السجن شيئاً أبعد من الحرية: حقه في رواية ما حدث له.
يستهل ساركوزي الكتاب بالتنبيه إلى أنه ليس رواية، ويصر على إبقاء الأسماء كما هي، بحيث “يتعرف كل واحد إلى نفسه ويتحمل نصيبه العادل من المسؤولية”. لكن المفارقة أن الكتاب، كلما تقدم، اقترب من آليات الرواية: سقوط من القمة، عزلة، شعور بالظلم، أصدقاء وخصوم، خيبات ووفاء، ثم بحث عن ولادة جديدة. لذلك لا يبدو غريباً أن يكون “الكونت دي مونت كريستو” لألكسندر دوما الكتاب الذي حمله ساركوزي معه إلى السجن.
بل إن إدمون دانتيس يكاد يصبح قرينه الأدبي. كان صديقه ميكائيل فريبور يرسل يومياً باقات زهور إلى منزل ساركوزي موقعة باسم بطل دوما، ولم يعرف صاحب المبادرة إلا بعد خروجه. يلتقط ساركوزي رمزيتها فوراً: “الكونت دي مونت كريستو” تحمل بالنسبة إليه رسالتين، “الولادة الجديدة” و”الانتقام”. دانتيس لا ينسى الذين وشوا به، ويخرج من سجنه ليعيد تشكيل نفسه ويقتص ممن تسببوا في سقوطه.
هنا تحديداً يقع “يوميات سجين”، الصادر حديثا بترجمته العربية عن دار نوفل/ هاشيت أنطوان، في أكثر مناطقه التباساً وإثارة. ساركوزي واثق من “ولادته الجديدة”، لكنه يرفض النصف الثاني من مرآة دانتيس: الانتقام. يقول إنه لا يريد إيذاء الذين آذوه، غير أنه يضيف أن “الكاذبين ومزيفي الحقائق والمتآمرين” لا يستطيعون الانتصار طويلاً. وهو، مثل دانتيس، لا ينسى. لذلك يمكن قراءة إصراره على ذكر الأسماء بوصفه استعادة لسلطة فقدها في الزنزانة: سلطة أن يسمي، وأن يتذكر، وأن يحدد موقع كل شخص في حكايته.
فالأسماء في الكتاب ليست حشداً من الشخصيات العامة، بل تكاد تشكل هيئة شهود في محاكمة مضادة. إيمانويل ماكرون هو الصديق الذي يقرر ساركوزي “طي صفحة” صداقته معه. مارين لوبن، الخصم السياسي القديم، تصبح إحدى “المفاجآت الإيجابية”، وزياد تقي الدين، أحد أبرز وجوه قضية التمويل الليبي، يحضر بوصفه شاهداً يعمل ساركوزي على تقويض صدقيته. حتى معمر القذافي لا يستحضره منفرداً، بل يستدعي معه ضحايا نظامه في ليبيا، من الممرضات البلغاريات إلى ضحايا طائرة “يو تي إيه”، كأنه يبني مسافة أخلاقية تسبق المسافة القانونية بينه وبين الرجل الذي ارتبط اسمه بالقضية التي أوصلته إلى السجن.
وللأسماء الأدبية والتاريخية وظيفة أخرى. استدعاء ألفريد دريفوس يضع التجربة في ذاكرة فرنسية مثقلة بسؤال الخطأ القضائي، فيما يمنحه أنطوان دو سانت إكزوبيري لغة مختلفة لمواجهة العزلة. يقرأ ساركوزي “رسالة إلى رهينة”، ويجد في صحرائها ما يشبه نقيضاً مطابقاً لزنزانته: هناك صمت وهنا ضجيج، لكن كليهما يجرّد الإنسان من الخارج ويدفعه إلى الإصغاء إلى الداخل. أما شارل أزنافور فيمنحه اللغة التي يحتاج إليها للفصل بين جرحه من مؤسسات بلاده وحبه لفرنسا. كأن الوطن، في النهاية، حبيب يمكن أن يؤلم من دون أن يفقد مكانه في القلب.
لكن التحول الأكثر دلالة يحدث حين يخرج ساركوزي بقضيته من حدود ذاته. فهو لا يكتفي بالقول إنه بريء، بل يرى أن معركته باتت من أجل آخرين قد يتعرضون للظلم، وأنها “أكبر بكثير” من شخصه. هنا يبتعد عن دانتيس المنتقم ليعيد تقديم نفسه في صورة صاحب قضية.
لذلك ليست “يوميات سجين” مجرد شهادة عن عشرين يوماً وراء القضبان، بل معركة على الذاكرة وعلى من يمتلك الرواية الأخيرة. القضاء أصدر حكمه، لكن ساركوزي يفتح بالكتابة محكمة أخرى، يكون القارئ فيها هيئة المحلفين. ولعل السؤال الذي يبقى بعد الصفحة الأخيرة ليس ما إذا كان السجن قد غيّره، بل ما إذا كان قد كتب لكي يتحرر من زنزانته، أم لكي يعيد، على طريقته، محاكمة الذين أوصلوه إليها.
أخبار سوريا الوطن١-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن

