آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » نظام التفاهة  الثقافة الفاخرة.. للعقول الفارغة

نظام التفاهة  الثقافة الفاخرة.. للعقول الفارغة

 

 

بقلم: علي نفنوف

دبي

 

 

لم تعد التفاهة ظاهرة عابرة يمكن أن نضحك عليها ثم نمضي.

شيئا فشيئا صارت جزءا من المشهد اليومي، تتسلل إلينا من شاشة الهاتف، من برامج الترفيه، من بعض الأعمال الفنية، من الأغاني الهابطة ..وجمهورها الرديء من الإعلانات، ومن منصات التواصل التي حولت الإنسان إلى متلق دائم، يمرر إصبعه على ملايين الصور والأخبار والوجوه دون أن يمنح شيئا منها وقتا كافيا كي يستقر في داخله. او يترك اي اثر ايجابي في نفسه.

نحن لا نعيش أزمة ذوق فقط.

نعيش تحولا أعمق في الطريقة التي تتشكل بها ذائقتنا.

الفن الذي كان يحتاج إلى عين تتأمل، صار في كثير من الأحيان يحتاج إلى ثوان قليلة كي يخطف الانتباه. والكتاب الذي كان يطلب من القارئ أن يسهر معه، صار ينافس صورة عابرة حتى ولو لم تكن لأمرأة عارية لا تحتاج إلى أكثر من لحظة. والمثقف الذي كان حضوره مرتبطا بما ينتجه من معرفة، يجد نفسه اليوم ينافس شخصا يستطيع أن يحول حياته اليومية إلى عرض مستمر.

المشكلة ليست في وسائل التواصل نفسها.

المشكلة في المنظومة التي تشكلت حولها، حين أصبح الانتباه سلعة غير مطلوبة وأصبح ما يثير الضجيج أكثر قابلية للانتشار مما يستحق التأمل.

هنا تحديدا يصبح السؤال أكثر خطورة:

هل التفاهة نتيجة طبيعية لهذا العصر، أم أنها أصبحت صناعة؟

في كتابه “نظام التفاهة” يذهب الفيلسوف الكندي آلان دونو إلى أبعد من فكرة أن المجتمع أصبح أكثر سطحية. هو يتحدث عن نظام كامل يجعل الشخص المتوسط، المطيع، القابل للتكيف، أكثر قدرة على الصعود داخل المؤسسات من الشخص الذي يفكر بصورة مختلفة أو يزعج الأسئلة المستقرة.

التفاهة عند دونو ليست غياب الذكاء فقط.

إنها نظام يكافئ عدم الإزعاج.

النظام لا يحتاج دائما إلى أن يمنع المفكر. يكفي أن يجعل صوته أقل أهمية. لا يحتاج إلى مهاجمة الفن الجاد. يكفي أن يضعه في الهامش، ثم يملأ المركز بما هو أسهل وأسرع وأكثر قابلية للبيع.

وهنا تتقاطع أفكار دونو مع ما كتبه أدورنو وهوركهايمر عن “صناعة الثقافة”.فحين تتحول الثقافة إلى منتج يخضع لمنطق السوق، تبدأ الأعمال في التشابه، وتصبح قابلية الاستهلاك معيارا خفيا للقيمة. ما ينجح تجاريا يعاد إنتاجه، وما يحتاج إلى جهد وتأمل يصبح أكثر صعوبة في الوصول إلى الجمهور.

ثم يأتي غي ديبور ليكشف ناحية أخرى من المسألة في “مجتمع الفرجة”.

لم تعد الصورة مجرد وسيلة لتمثيل الواقع.

الصورة أصبحت واقعا قائما بذاته.

نحن لا نكتفي بأن نعيش الأشياء. نريد أن نراها، وأن نصورها، وأن نعرضها، وأن نحصل على اعتراف الآخرين بها. وهكذا يتحول الإنسان تدريجيا من كائن يعيش حياته إلى كائن يدير صورتها.

في هذا العالم يصبح الأكثر ظهورا هو الأكثر حضورا، حتى لو لم يكن الأكثر قيمة.

وهنا تكتمل الحلقة.

تيم وو، في كتابه “تجار الانتباه” يشرح كيف تحولت قدرة الإنسان على الانتباه إلى مورد اقتصادي تتنافس عليه المؤسسات ووسائل الإعلام والمنصات. كل ثانية من انتباهنا لها قيمة. وكل ما يستطيع أن ينتزع هذه الثانية يصبح قابلا للاستثمار.

ولهذا لا ينبغي أن نستغرب انتشار المحتوى السريع والصادم والمثير.

السوق لا يسأل دائما:

هل هذا عميق؟

يسأل:

هل سيجعل الناس يتوقفون؟

وهذا فارق هائل.

أما نيل بوستمان، فقد حذر في «التسلية حتى الموت» من اللحظة التي يصبح فيها الخطاب العام نفسه محكوما بمنطق الترفيه. عندها لا تعود السياسة مطالبة بأن تقنع، ولا الثقافة بأن تشرح، ولا المعرفة بأن تتعب القارئ. يكفي أن تكون ممتعة، سريعة، قابلة للاستهلاك.

وهنا تصبح الكارثة أكبر من انتشار عمل فني ضعيف أو فكرة سطحية.

الكارثة أن المعايير نفسها تبدأ في التغير.

نصبح أمام جيل لا يسأل فقط: ماذا تقول؟

بل يسأل: كم ثانية أحتاج كي أفهمه؟

لا يسأل: هل هذا الفن مهم؟

بل: هل يصلح للنشر؟

ولا يسأل: هل هذا الكاتب يضيف شيئا؟

بل: كم متابعا لديه؟

وهكذا تنتقل السلطة من النص إلى الرقم، ومن القيمة إلى الانتشار، ومن الفكرة إلى قدرتها على صناعة الضجيج.

لكن من الذي يصنع هذا كله؟

هنا يجب أن نكون أكثر حذرا من فكرة المؤامرة السهلة. لا توجد بالضرورة غرفة مغلقة يجلس فيها أشخاص يقررون ماذا سيقرأ الناس وماذا سيشاهدون. صناعة التفاهة أكثر تعقيدا من ذلك.

إنها نتيجة التقاء مصالح متعددة: السوق، الإعلان، المنصات الرقمية، اقتصاد الانتباه، الإعلام، المؤسسات الثقافية، الخوارزميات، ورغبة الجمهور نفسه في الحصول على محتوى سريع لا يكلفه كثيرا.

كل طرف يدفع في الاتجاه نفسه، حتى من دون اتفاق مسبق.

وهذا ما يجعل النظام أخطر.

لأن التفاهة هنا لا تحتاج إلى حاكم.

يكفي أن تكون مربحة.

وحين تصبح مربحة، يعاد إنتاجها.

وحين يعاد إنتاجها، تصبح مألوفة.

وحين تصبح مألوفة، تتحول إلى ذائقة.

وحين تتحول إلى ذائقة، يبدأ المجتمع بالدفاع عنها باعتبارها اختيارا شخصيا.

وهنا تكون اللعبة قد اكتملت.

ليس أخطر ما في التفاهة أنها موجودة.

التفاهة كانت موجودة دائما.

الأخطر أن تصبح التفاهة معيارا للحكم على الأشياء.

أن يصبح العمل الجاد غريبا لأنه لا يصرخ.

والفنان الحقيقي متأخرا لأنه لا يعرف كيف يسوق نفسه.

والكاتب العميق مملا لأنه لا يقدم أفكاره في ثلاثين ثانية.

والمثقف عبئا لأنه يطرح أسئلة لا تمنح إجابات جاهزة.

عند هذه النقطة لا تعود المشكلة في الجمهور وحده.

الجمهور نفسه يجري تشكيل ذائقته بصورة مستمرة.

وهنا يمكن استحضار بيير بورديو، الذي كشف أن الذوق ليس بريئا تماما كما نتصور. ما نحب أن نراه ونسمعه ونقرأه يتأثر بالبنية الاجتماعية والثقافية التي نعيش داخلها. ولذلك فإن السؤال عن الذائقة يقودنا بالضرورة إلى سؤال آخر:

من يضع أمامنا الخيارات التي نختار منها؟

فليس كل ما يريده الجمهور يظهر أمامه بالدرجة نفسها.

هناك ما يُدفع إلى الضوء.

وهناك ما يترك في العتمة.

والثقافة الجادة لا تموت بالضرورة لأن أحدا قتلها. أحيانا تموت ببطء لأنها لم تعد تحصل على المساحة التي تسمح لها بأن تصل.

وهنا تكمن المفارقة.

قد يعيش الفنان الحقيقي، والكاتب الحقيقي، والمفكر الحقيقي بيننا، لكنه يصبح غير مرئي لأن النظام الجديد لا يكافئ ما يملكه، بل يكافئ ما يستطيع أن يحوله إلى مادة سريعة التداول.

إنها ليست حربا مباشرة على الثقافة.

إنها إعادة ترتيب للأهمية.

وفي نهاية هذا الطريق يصبح الإنسان نفسه مستهلكا لما يستهلكه.

يتغير انتباهه.

تتغير لغته.

تضيق قدرته على الصبر.

يصبح التأمل ثقيلا، والقراءة الطويلة مرهقة، والعمل الفني المركب عصيا على الفهم.

وهنا ربما علينا أن نعيد تعريف المشكلة.

لسنا أمام انتصار الجهل على المعرفة فقط.

نحن أمام نظام اقتصادي وثقافي يستطيع أن يجعل الجهل أكثر جاذبية، والسطحية أكثر سرعة، والرداءة أكثر قابلية للتسويق.

وهذا هو جوهر ما يجعل كتاب دونو مهما اليوم.

فـ«نظام التفاهة» لا يخبرنا أن الأغبياء أصبحوا أكثر عددا.

إنه يحذرنا من شيء أكثر قسوة:

أن يصبح النظام نفسه مصمما، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لكي يرفع من يشبهه.

وعندما يحدث ذلك، لا يعود السؤال:

لماذا تنتشر التفاهة؟

السؤال الأخطر يصبح:

ماذا يحدث لمجتمع يفقد القدرة على التمييز بين ما هو منتشر وما هو مهم؟

ربما هنا تبدأ المعركة الحقيقية.

ليس في محاربة التفاهة، فهذا مستحيل.

وإنما في حماية المعايير التي تجعلنا قادرين على رؤيتها.

لأن المجتمع الذي يفقد حسه النقدي لا يحتاج إلى من يفرض عليه الرداءة.

سيختارها بنفسه.

ثم سيدفع ثمنها، وهو يظن أنه يختار حريته…

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبدالمجيد عبدالله يستعد لطرح ألبومه الجديد في 2026.. 21 أغنية ومفاجآت للجمهور

يستعد الفنان السعودي عبدالمجيد عبدالله للعودة إلى جمهوره بألبوم غنائي جديد خلال عام 2026، بعدما أعلنت مجموعة روتانا للموسيقى اقتراب موعد طرح العمل، وسط حالة ...