بقلم:مالك صقور
مع دقات الأجراس المعلنة عن بدء عام دراسي جديد، تفتح المدارس أبوابها لتستقبل ملايين التلامذة والطلاب. وعلى الرغم من مُضي الأعوام الكثيرة، ما زال الكثيرون الكثيرون يتذكرون يومهم الأول في المدرسة ويومهم الأخير، ويتذكرون أساتذتهم، ويسردون القصص عن أيام الدراسة، لا سيما في كل مراحلها. ومنذ أيامنا نحن، أي الجيل الذي دخل المدرسة في العام الدراسي 1956-1957؛ حصلت انزياحات كبرى في قضية التعليم.
فكانت الوزارة حتى قيام الوحدة بين مصر وسوريا تُسمى: وزارة المعارف. ولهذه التسمية دلالاتها الكبيرة.. بعد قيام الوحدة العربية بين سوريا ومصر عام 1958، صار اسم الوزارة: (وزارة التربية والتعليم).. ولهذه التسمية قصد ودلالة أكبر. بعد آذار عام 1963 صار اسم الوزارة: (وزارة التربية).. لن أتوقف عن سبب تغيير التسمية، بل سأتوقف عن المضمون، وعن الانزياحات التي حصلت.. وأولى هذه الانزياحات، في عهد الوحدة هو (الترفيع الآلي). أي ينجح الجميع ويكون الامتحان شكلياً. يومها كان يقال للامتحان (فحص). وأُلغي هذا الأمر في الانفصال، وعادت الامتحانات كما كانت. ولكن الأمر الإيجابي الكبير الذي يجب التركيز عليه هو ما كانوا يطلقون عليه (الضمير المسلكي). على سبيل المثال: في فصل الشتاء، كان الوصول إلى ضيعتنا شبه مستحيل. بسبب الأمطار الغزيرة، وفيضان الأنهار المجاورة، من دون جسور، ولا توجد وسائط نقل في تلك الأيام. أي، لا يستطيع المفتش أو مدير المعارف، أو غيرهما ممن يهمه سير عملية التعليم في القرى النائية، أن يصل إليها. مع ذلك، كان معلم المدرسة الوحيد يفتح المدرسة قبل الثامنة صباحاً. ويتفقد أحوال التلاميذ بعد الظهر ومساءً. ويعطي دروساً للمقصرين مجاناً. بالإضافة إلى ذلك: كان المعلم مُهاباً له قيمته واحترامه وتقديره، من الأهالي ومن التلاميذ. وعلى الرغم من المدرسة الابتدائية، ذات الغرفة الواحدة، والتي تضم خمسة صفوف، كان المعلم ينجح في تعليم الجميع، وينجح أغلب التلاميذ. ومن الإيجابيات أيضاً في المرحلة الثانوية، في نهاية العام الدراسي، وفي أثناء ما يُسمى المراجعة قبل الامتحان، كان يقول كل أستاذ: من يريد دروساً إضافية، طبعاً مجانية. وفوق ذلك، كان التعليم مجانياً، والكتب أيضاً.
ولكن، ولكن بعد حين من الدهر، بدأ الانزياح رويداً، رويداً.. عندما فَقَدَ المعلمُ هيبته، فلم يعد المعلم يتفرغ للتعليم. تجد معلماً يعمل (مبلطاً) و(دهاناً) و(سائق تكسي بالأجرة). في القرى: يعمل في كافة الأعمال: من تربية المواشي، إلى البيوت البلاستيكية إلى آخره.. ومن ثم سُمح بالدروس الخصوصية في البيوت، وهذه كانت عملية استنزاف حقيقية للأهالي من جهة، ومن جهة ثانية إراقة ماء وجه الأستاذ وهو يمد يده، ليتناول “أجرة” حصته، والتي كان من المفروض أن يُعطيها في المدرسة.
وفي هذا العام الدراسي الجديد، في العهد الجديد، لا يجب أن تمر العودة إلى المدارس كحدث عابر، أو مجرد روتين سنوي لشراء الدفاتر والأقلام والكتب والملابس المدرسية، بل يجب أن تكون اللحظة الأجرأ والأنسب لنقف وقفة مكاشفة صادقة مع أنفسنا. ونعيد طرح السؤال: كيف نرّدُ للمعلم هيبته واعتباره ووقاره؟! وكيف نستعيد للمدرسة هيبتها؟!
وإذا كان تلاميذ اليوم، هم رجال المستقبل.. علينا أن ندرك، وأن نتذكر أن من يعلم هؤلاء ويصنع منهم رجالاً هو المعلم. والتعليم في جوهره، ليس مجرد حشو معلومات، أو وسيلة لنيل شهادة ستكون بمثابة (جواز سفر) من أجل الوظيفة أو المنصب، بل هو الركيزة الأولى في بناء الإنسان. والمدرسة، ليست مجرد بناء ومقاعد وقاعات، بل هي المصنع الحقيقي للتربية والتعليم، هي المصنع الحقيقي الذي تُصاغ فيه القيم والأخلاق. هي المصنع الذي تتشكل فيه الهوية، والوعي.
نعم..
من دون مدرسة قوية، ومدرسين أكفاء، يفقد المجتمع بوصلته التربوية والاجتماعية والثقافية.
في قلب هذه العملية العظيمة، عملية التعليم: يقف المعلم باني الإنسان، وبالتالي، باني الأجيال: المعلم هو الذي يُعلّم الطبيب، والمهندس، والضابط، والتاجر.. والوزير، ورئيس الوزراء أيضاً. ولهذا، فإن هيبة المعلم ليست ترفاً أو مظهراً رسمياً أو شكلياً. بل هي ضرورة وطنية أخلاقية. فحين تهتز مكانة المعلم في عيون تلاميذه وطلابه، فإننا نهز بالتبعية أساس المستقبل. لأن المعلم ليس مجرد موظف يؤدي ساعات عمله؛ إنه يحمل رسالة عظيمة: رسالة تنويرية، رسالة من ينقل الطفل من الظلام إلى النور. ورسالته التنويرية تُسهم في صياغة وصناعة عقول الجميع: القادة والأطباء والمهندسين، والمفكرين..
وفي يقيني، إن الحديث عن “هيبة المعلم”، سيبقى شعاراً إنشائياً ما لم يُترجم إلى واقع مادي – اقتصادي واجتماعي يصون كرامته. ومن هنا، أتوجه بنداء عاجل، يبدأ مساواته مادياً بالفئات السيادية في المجتمع: بالطبيب الذي يداوي الأجساد، والقاضي الذي يقيم العدل، وأستاذ الجامعة الذي يقود البحث العلمي.
لأن المعلم هو الذي أسّس لعلم هؤلاء جميعاً… وكل عام وأنتم بخير
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

