آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » فوق قمة جائزة نوبل  

فوق قمة جائزة نوبل  

 

عدنان كامل الشمالي

 

أدونيس ليس اسماً عابراً في الشعر العربي، ولا شاعراً ينتظر شهادة من أحد ليكتسب قيمته. إنه أحد أبرز رواد الحداثة الشعرية العربية، وصاحب تجربة أدبية وفكرية تجاوزت حدود اللغة العربية، وتُرجمت أعماله إلى لغات عديدة، ونال جوائز وتكريمات عربية ودولية، من بينها جائزة غوته الألمانية.

من حق أي قارئ أن يختلف مع أدونيس، وأن ينتقد أفكاره وقصائده ومواقفه، لكن تحويل عدم فوزه بجائزة نوبل إلى مناسبة للتشفي يكشف عن مشكلة تتجاوز الاختلاف الأدبي والفكري. فثمة من لا يرى في المبدع إلا ما يوافق انتماءه، ولا يقيس منجزه بما قدمه للثقافة، بل بما يمليه عليه موقف مسبق، كأن هوية الشاعر أهم من شعره، وكأن الاختلاف معه يقتضي إنكار كل ما أنجزه.

أما جائزة نوبل، على مكانتها العالمية، فليست ميزاناً مطلقاً للأدب، ولا حكماً نهائياً على قيمة المبدعين. وقد أثارت اختياراتها على مر السنين نقاشات واعتراضات، شأنها شأن الجوائز الكبرى التي تتداخل في مساراتها أحياناً اعتبارات ثقافية وسياسية. وليس كل من نالها أعظم من كل من لم ينلها، كما أن عدم الفوز بها لا ينتقص بالضرورة من قيمة من لم يحصل عليها.

إن قيمة الشاعر تُقاس بما يضيفه إلى اللغة والفكر والوجدان الإنساني، وبقدرته على فتح آفاق جديدة أمام الكتابة والتعبير، لا بقرار لجنة تحكيم في عام من الأعوام. فالجوائز قد تمنح صاحبها انتشاراً أوسع، لكنها لا تصنع موهبته، ولا تمحو منجزه إذا لم يأتِ اسمه ضمن الفائزين.

وتجربة أدونيس، بما أثارته من نقاش حول الحداثة الشعرية والفكر العربي، لا تتوقف عند جائزة، ولا تختصرها نتيجة. يمكن الاعتراض على مشروعه، بل إن النقد الجاد ضرورة لكل تجربة إبداعية، لكن النقد شيء، والشماتة شيء آخر. الأول يحاور الفكرة ويختبر قيمتها، أما الثانية فتبحث عن فرصة للنيل من صاحبها، ولو كان الأمر على حساب الحقيقة والإنصاف.

والسؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس لماذا لم يحصل أدونيس على نوبل فحسب، بل لماذا يفرح بعضنا حين لا ينال أحد أبناء وطنه تقديراً عالمياً؟ وأي ثقافة هذه التي تجعل الخلاف سبباً لإنكار المنجز، وأي وعي هذا الذي يسمح للانقسامات الضيقة بأن تتقدم على قيمة الأدب والإبداع؟

أدونيس ليس فوق النقد، لكنه أكبر من أن تختصره جائزة، وأكبر من أن تحكم على تجربته شماتة عابرة. اختلفوا معه كما تشاؤون، ناقشوا أفكاره، وانتقدوا قصائده ومواقفه، لكن لا تجعلوا من الخصومة مقياساً للحقيقة، ولا من الانتماءات الضيقة حاجزاً يحول دون الاعتراف بما يستحق الاعتراف.

فالأوطان لا تكبر بالتشفي بمبدعيها، بل بقدرتها على نقدهم بإنصاف، والاعتراف بمنجزهم بموضوعية، والتمييز بين الاختلاف معهم والرغبة في الانتقاص منهم.

أما المجد الذي يصنعه الشاعر عبر سنوات من الكتابة والتجريب والتأثير، فلا تمنحه جائزة وحدها، ولا تسلبه إياه لجنة، ولا تمحوه شماتة.

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل يسير العالم نحو “دربان الثاني”؟ عن الصهيونية والعنصرية وضرورة إعادة فتح النقاش

    أ. د. جورج جبور الرئيس الفخري للرابطة السورية للأمم المتحدة منذ تموز 2022       لديّ كتاب أذكر فيه أن قمة إسلامية ...