توجّه البرازيليون إلى صناديق الاقتراع، اليوم الأحد، في جولة إعادةٍ حاسمةٍ للانتخابات الرئاسية، تجمع الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا والسيناتور اليميني فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، في مواجهة تتجاوز نتائجها حدود التنافس على السلطة، لتطال مستقبل الديموقراطية والاقتصاد والعلاقات الخارجية لأكبر دولة في أميركا اللاتينية.
بعد الإدلاء بصوته في أحد مراكز الاقتراع في ريو دي جانيرو، قال بولسونارو “لا يمكن للبرازيل أن تستمر أربع سنوات أخرى على هذه الحال. حياة الجميع ازدادت سوءاً”، داعياً إلى إحداث “تغيير حقيقي”.
من جهته، قال لولا بصوت متهدج بعد الادلاء بصوته إن على الناخبين “أن يختاروا بلداً يتم فيه احترام العلم”.
وتأتي الجولة الثانية وسط تقارب شديد بين المرشحين، بعدما تقدّم فلافيو بولسونارو في الجولة الأولى بحصوله على 47.03 في المئة من الأصوات الصحيحة، مقابل 45.16 في المئة للولا. وأظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة منافسة متقاربة إلى حدّ التعادل الإحصائي، ما يجعل أصوات المترددين ونسبة المشاركة عاملين مؤثرين في تحديد النتيجة.
وتكتسب الانتخابات أهمية إضافية في ظل الانقسام بين معسكر يساري يدافع عن استمرار برامج الرعاية الاجتماعية وحماية المؤسسات الديمقراطية، ويمين يرفع شعارات مكافحة الجريمة وخفض الإنفاق الحكومي، ويحظى بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وأدلى برازليون في الخارج بأصواتهم. وأُقيمت أكشاك لبيع الطعام والسلع خارج مركز الاقتراع في لندن، بما فيها ملابس مؤيدة لجايير بولسونارو ولولا دا سيلفا.
لولا يسعى إلى ولاية رابعة… واليمين يراهن على التغيير
يسعى لولا، البالغ 80 عاماً، إلى الفوز بولاية رئاسية رابعة غير متتالية، مستنداً إلى إرثه السياسي وبرامجه الاجتماعية التي ساهمت في انتشال ملايين البرازيليين من الفقر والجوع.
ويقدّم الرئيس الحالي نفسه باعتباره مدافعاً عن الديمقراطية في مواجهة ما يصفه بمخاطر عودة اليمين المتطرف، كما يتعهّد مواصلة توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، في وقت تواجه حكومته انتقادات تتعلّق بارتفاع تكاليف المعيشة وانتشار الجريمة.
في المقابل، يخوض فلافيو بولسونارو، البالغ 45 عاماً، السباق تحت عنوان التغيير، متعهّداً تشديد مكافحة الجريمة وضبط الإنفاق الحكومي، ومستنداً إلى خطاب محافظ ذي خلفية دينية يستقطب شريحة من الناخبين المطالبين بنهج مختلف.
ويحاول المرشح اليميني تقديم نفسه بصورة أكثر اعتدالاً من والده، إلا أنّ إرث جايير بولسونارو يبقى حاضراً بقوّة في حملته، ولا سيما بعدما تعهّد العمل على إطلاق سراحه في حال فوزه.
جايير بولسونارو في قلب المعركة
لا تقتصر الانتخابات على المفاضلة بين برنامجين سياسيين، بل تعيد أيضاً فتح ملف العلاقة بين السلطة التنفيذية والقضاء في البرازيل.
فالرئيس السابق جايير بولسونارو يقضي عقوبة بالسجن لمدة 27 عاماً بعد إدانته في قضية محاولة الانقلاب عقب خسارته الانتخابات الرئاسية عام 2022. وقد شكّلت القضية محوراً أساسياً في المواجهة بين أنصاره وخصومه، وألقت بظلالها على الحملة الانتخابية لابنه.
في المقابل، كثّف أنصار لولا تحركاتهم للتصدي لاحتمال عودة عائلة بولسونارو إلى السلطة، مستحضرين سجل الرئيس السابق في إدارة جائحة كوفيد-19، وسياساته البيئية، وتقليص بعض البرامج الحكومية والخدمات العامة.
ويثير تعهّد فلافيو إطلاق سراح والده، إلى جانب موقفه من المحكمة العليا، تساؤلات بشأن مستقبل المؤسسات الدستورية في البلاد، خصوصاً في ظل الخلافات الحادة بين معسكر بولسونارو والقضاء.
الاقتصاد والجريمة في مواجهة الرعاية الاجتماعية
تشكّل الأوضاع المعيشية والأمنية محوراً رئيسياً في خيارات الناخبين. فعلى الرغم من تراجع معدلات التضخم والبطالة خلال ولاية لولا الثالثة، لا تزال تكاليف المعيشة وانتشار الجريمة من أبرز مصادر الاستياء الشعبي.
ويتمسّك الرئيس الحالي ببرامج المساعدات الاجتماعية التي يعتبرها مؤيّدوه ضرورة لمكافحة الفقر والجوع، فيما يرى منتقدوه أن توسيع الإنفاق الحكومي يستدعي مزيداً من الضبط المالي.
ويظهر هذا التباين بوضوح في شمال شرق البرازيل، الذي يُعدّ معقلاً انتخابياً تقليدياً للولا. ففي هذه المنطقة، ينظر كثيرون إلى برامج الرعاية الاجتماعية باعتبارها دعماً أساسياً للأسر ذات الدخل المحدود، وليس مجرّد مساعدات ظرفية.
في المقابل، يراهن فلافيو على استقطاب الناخبين الذين يطالبون بسياسات أمنية أكثر تشدداً، وبإدارة مختلفة للإنفاق العام.
الأمازون والمناخ… ملفان خارج صدارة الحملة
حضر ملف البيئة في المواجهة الانتخابية، ولا سيما من خلال المقارنة بين سياسات لولا وجايير بولسونارو تجاه غابات الأمازون.
فقد تراجعت معدلات إزالة الغابات في ظل حكومة لولا مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما يستند إليه مؤيدوه للدفاع عن أدائه البيئي. لكن الحرائق التي شهدتها مناطق من الأمازون، وما رافقها من تلوث للهواء، أعادت تسليط الضوء على التحديات البيئية التي تواجه البلاد.
ومع ذلك، لم يحتلّ تغيّر المناخ موقعاً متقدماً في النقاش الانتخابي، رغم الأهمية الدولية للأمازون ودورها في التوازن المناخي العالمي.
معركة رقمية واتهامات لـ”ميتا”
انتقلت المنافسة بين المرشحين إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أعاد لولا صياغة استراتيجيته الرقمية بعد تقدّم منافسه في الجولة الأولى، مستعيناً بمقاطع الفيديو في محاولة للوصول إلى شرائح أوسع من الناخبين.
وتصاعد الخلاف بين حملة الرئيس الحالي وشركة “ميتا”، المالكة لـ”فيسبوك” و”إنستغرام” و”واتساب”، بعدما اتهمت الحملة المنصات بالتأثير في انتشار محتواها عبر الخوارزميات.
ونفت الشركة الانحياز إلى أي من المرشحين، لكنها أقرت بوقف بعض الإعلانات المرتبطة بحملة لولا عن طريق الخطأ بسبب مشكلات تقنية.
وتعكس هذه المواجهة الدور المتنامي للمنصات الرقمية في الانتخابات، حيث بات الوصول إلى الناخبين والتأثير في اتجاهاتهم جزءاً أساسياً من الاستراتيجيات الانتخابية.
ما بعد الانتخابات… اختبار للمؤسسات البرازيلية
أيّاً تكن نتيجة الاقتراع، تواجه البرازيل مرحلة سياسية دقيقة في ظل الانقسام الداخلي والمكاسب التي حققها اليمين في المؤسسات التشريعية.
ففي حال فوز لولا، سيكون عليه التعامل مع كونغرس يميل جزء كبير منه إلى اليمين، ما قد يعرقل تمرير مشروعات حكومته ويزيد احتمالات المواجهة السياسية.
أما فوز فلافيو بولسونارو، فقد يفتح الباب أمام توتّر جديدٍ مع المحكمة العليا، في ظل تعهّده السعي إلى عزل القاضي ألكسندر دي مورايس، الذي اضطلع بدورٍ بارزٍ في القضية المرتبطة بوالده.
وعلى المستوى الخارجي، تضع الانتخابات البرازيل أمام خيارين مختلفين في إدارة علاقتها بـ واشنطن: استمرار نهج لولا الذي يرفض ما يعتبره تدخلاً أميركياً في الشؤون البرازيلية، أو تقارب أكبر مع إدارة ترامب في حال وصول فلافيو إلى الرئاسة.
وبين رهانات الاستمرارية وشعار التغيير، لا تقتصر أهمية الانتخابات على هوية الرئيس المقبل، بل تمتد إلى طبيعة التوازن بين السلطات، ومستقبل السياسات الاجتماعية والبيئية، وموقع البرازيل في المعادلات الإقليمية والدولية
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _النهار اللبنانية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
